أهمية المكان في النص الروائي

تمهيــد:
يعيش الإنسان في عالم يتصف ببعدين أساسيين هما: الزمان والمكان، ففيهما يحيا الإنسان وينمو الجنس البشري ويتطور.
والمكان تاريخياً أقدم من الإنسان، والإنسان بوجوده وكينونته في المكان يعيد تشكيله وتحويله إلى أشكال مختلفة حسب احتياجاته الحياتية، ووفق ثقافته.
ورغم أن المكان والزمان عنصران متلازمان لا يفترقان، فإن المكان ثابت على عكس الزمان المتحرك، وهو في ثبوته وا حتوائه للأشياء الحسية المستقرة فيه يدرك بالحواس إدراكاً مباشراً. ذلك أن ” المكان صورة أولية ترجع إلى قوة الحساسية الظاهرة التي تشمل حواسنا الخمس ” (1) ، على عكس الزمان الذي يدركه الإنسان إدراكاً غير مباشر من خلال فعله فيه.
ووجود الإنسان في المكان أدى إلى تعضيد العلاقة بينهما، تلك العلاقة التي أخذت في التنامي ” حتى أصبح المكان واحداً من القضايا التي يخترقها الإنسان بالبحث بُغْيةَ التعمق في هذا المحسوس وتمام إدراكه ” (2) . مما ترتب عليه وجود دراسات كثيرة عنيت بدراسة المكان في مختلف المجالات، بل وجد علم خاص بدراسة المكان وهو علم الطوبولوجيا (Topology) الذي قام بدراسة ” أخص خصائص المكان من حيث هو مكان، أي العلاقات المكانية المختلفة كعلاقة الجزء بالكل، وعلاقات الإندماج والانفصال والاتصال، التي تعطينا الشكل الثابت للمكان، الذي لا يتغير بتغير المسافات والمساحات والأحجام “. (3)
وتنوع الدراسات عن المكان أدى إلى تقسيم المكان حسب التخصصات؛ إذ تم تقسيم المكان بموجب السلطة التي تخضع لها الأماكن (4) ، كما أُعطى المكان بعداً فلسفياً فأصبح المكان ” هـو ما يحل فيه الشيء أو ما يحوي ذلك الشيء ويحده ويفصله عن باقي الأشياء ” (5) . كذلك تم تقسيم المكان إلى ” المكان التصوري، والمكان الإدراكي الحسي، والمكان الفيزيائي، والمكان المطلق “. (6)
الدراسات الروائية والمكان:
وفي مجال الدراسات الروائية اهتم دارسو الرواية بدراسة عنصر المكان، مما نتج عنه مجموعة من المصطلحات الخاصة بدراسة هذا العصر، مثل المكان الروائي، والفضاء، والفضاء الجغرافي، والفضاء الدلالي، والفضاء النصي، والفضاء بوصفه منظوراً. (7)
وقد آثر المشتغلون بدراسة عنصر المكان في الرواية استخدام مصطلح الفضاء الروائي عن مصطلح المكان الروائي؛ حيث وجدوا في الأول شمولية أوسع، لكونه يشمل المكان. فالمكان الروائي، مكان بعينه تجري فيه أحداث الرواية، بينما يشير الفضاء الروائي إلى المسرح الروائي بأكمله، ويكون المكان داخله جزءاً منه. (8)
وقد حظى كل من الفضاء والمكان في الرواية باهتمام كثير من الدارسين؛ لأن المكان في النص الروائي يتجاوز كونه مجرد شيء صامت أو خلفية تقع عليها أحداث الرواية، فهو عنصر غالب في الرواية حامل لدلالة، ويمثل محوراً أساسياً من المحاور التي تدور حولها عناصر الرواية، لذا يرى البعض ” أن العمل الأدبي حين يفتقد المكانية، فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته “. (9)
وللمكان تأثيره خارج النص الروائي، إذ يلعب ” دور المفجر لطاقات المبدع ” (10) و” يعبر عن مقاصد المؤلف “. (11)
طرائق الروائي في خلق المكان:
إن المكان الروائي بناء لغوي، يشيده خيال الروائي، والطابع اللفظي فيه يجعله يتضمن كل المشاعر والتصورات التي تستطيع اللغة التعبير عنها؛ ذلك أن ” المكان في الرواية ليس هو المكان الطبيعي أو الموضوعي وإنما هو مكان يخلقه المؤلف في النص الروائي عن طريق الكلمات ويجعل منه شيئاً خيالياً “. (12) فالمكان في النص الروائي مكان متخيل وبناء لغوي ” تقيمه الكلمات انصياعاً لأغراض التخييل وحاجته، (فالمكان إذن) نتاج مجموعة من الأساليب اللغوية المختلفة والمختلقة في النص ” (13) . من ثم يرى بعض الدارسين أن ” عبقرية الأدب، حقاً، حيزه “. (14)
وللروائي سبل شتى في تشييد الفضاء أو المكان الروائي، منها: الوصف، استخدام الصورة الفنية، توظيف الرموز، ولكل منها دوره الفعال في النص الروائي.
فالروائي حين يلجأ إلى الوصف، يبذل قصارى جهده للبرهنة على قدرته أن يجعلنا نرى الأشياء أكثر وضوحاً. ذلك أن الوصف هو: ” ذكر الشيء كما فيه من الأحوال والهيئات ” (15) ، أي ذكر الأشياء في مظهرها الحسي الموجودة عليه في العالم الخارجي. فالوصف يقدم الأشياء للعين في صور أمينة تحرص على نقل المنظور الخارجي أدق النقل. (16)
ولما كان الوصف ” يلائم الأشياء التي توجد بدون حركة ” (17) ، فإنه يختص بتمثيل الأشياء في سكونها.
والروائي حين يلجأ إلى وصف المكان أو الفضاء الروائي، فإنه يرمي من وراء ذلك إلى بث المصداقية فيما يروي، بجعل المكان في الرواية مماثلاً في مظهره الخارجي للحقيقة، نابعاً من مرجعيته الواقعية. ذلك أن الروائي حين يصف المكان الطبيعي، يستثمر عناصره الفيزيائية لتجسيده، بحيث يجعلنا ” نقف على الصور الطوبوغرافية للمكان، والتي تخبرنا عن مظهره الخارجي ” (18)؛ إذ إنه ” يرسم صورة بصرية تجعل إدراك المكان بواسطة اللغة ممكناً ” (19) ، جاعلاً من الوصف أداة لتصوير المكان وبيان جزئياته وأبعاده. وهو بتوظيفه عناصر المكان المحسوسة لتشكيل مكانه المتخيل، إنما ” يُدخل العالم الخارجي بتفاصيله الصغيرة في عالم الرواية التخييلي ويُشعر القارئ أنه يعيش في عالم الواقع لا عالم الخيال، ويخلق انطباعاً بالحقيقة أو تأثيراً مباشراً بالواقع “. (20)
والروائي حين يعمد إلى إسقاط مجموعة من الصفات الطوبوغرافية على الفضاء أو المكان الروائي، والتي هي عبارة عن ” المعاني الوصفية التي تدخل في تركيب صورة المكان والقيم الرمزية المنبثقة عنها ” (21) ، إنما يفعل ذلك بغية البرهنة على العلاقة بين المكان والشخصية في النص الروائي. كما أن اختلاف هذه الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر في الفضاء الروائي، يمكن أن يعكس لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والأيديولوجية لدى شخوص الرواية. هذا فضلاً عن أن الدلالات النابعة من هذه الفروق يمكن أن تكون تعبيراً عن رؤية شخوص الرواية للعالم وموقفهم منه، كما قد تكشف عن الوضع النفسي للشخوص وحياتهم اللاشعورية، بحيث يصير للمكان بعدُ نفسي يسبر أغوار النفس البشرية، عاكساً ما ” يثيره المكان من انفعال سلبي أو إيجابي في نفـس الحالِّ فيه “. (22)
ويلزم التنويه إلى أن وصف الروائي للمكان قد يقتصر على بؤرة بعينها أو يكون شاملاً بحيث يعرض مشهداً أو مشاهد مكانية كاملة. والروائي، بفعلـه ذلك، يهـدف إلى ” تهدئة الحركة السردية الصاخبة، والتخفيف من حدة الأحداث القهرية، من خلال بث صـور بصريـة تتسم بالرومانسية… ما أن تقع عليها العين حتى تستشعر الهدوء والسكينة “. (23)
وتجدر الإشارة إلى أن الصفات الطوبوغرافية التي يسقطها الروائي على المكان، محددةً إياه من حيث الشكل والنوع، تؤكد لنا مدى استثمار الروائي لتلك الصفات لتجلية دلالات معينة تغذي نصه الروائي، وتمثل منعطفات مشعة في عالم النص. من هذه الدلالات – على سبيل المثال لا الحصر – تحديد حركة المكان، وهي حركة تنطوي على أهمية نظراً لأنها تكشف عن ” مفهوم الحرية، حرية الإنسان في استخدام المكان ومحاولته أن يجعـل المكـان – على الرغـم مـن محـدوديته – حقلاً واسعاً يتحرك فيه كيفما شاء “. (24)
وغنى عن القول أن وصف المكان لا يقتصر على إسقاط الصفات عليه أو على بعض متعلقاته بشكل مباشر – والتي بواسطتها يرصد الروائي خلفيات المكان – إذ قد يستخدم الروائي وصفاً غير مباشر من خلال توظيف الصورة الفنية التي هي ” نتاج لفاعلية الخيال. وفاعلية الخيال لا تعنى نقل العالم أو نسخه، وإنما تعنى إعادة التشكيل، واكتشاف العلاقات الكامنة بين الظواهر، والجمع بين العناصر المتضادة أو المتباعدة في وحدة ” (25) ، وهذه الصورة الفنية لا تتوافر إلا حين يكتسب المكان ” صفة سميوطيقية من خلال إعطائه قيمة دلالية تميز بين الظواهر المكانية التي لا يختلف بعضها عن بعض في الواقع ” (26) . ذلك أن الشيء في وجوده الخارجي قد يكون له وظيفة وهي الإشارة إلى حقيقة واقعة في العالم ولكن وجوده داخل النص يجب أن يحمل دلالة خاصة ويتعدى مجرد كونه إشارة. (27)
إن الصورة الفنية تتعدى – بوصفنا متلقين – حدود الرؤية للمكان بعناصره الفيزيائية، إلى المشاركة الوجدانية، وهو ما يؤكد لنا أن ” الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صوراً بصرية فحسب، بل تثير صوراً لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني ذاته ” (28) . وهنا تكمن عبقرية اللغة الروائية حيث تتمكن من ” إعطاء أبعاد حسية لما لا وجود له إلا بالوعي وفيه، وفي إضفاء صفة الواقعية على ما هو تصوري محض “. (29)
من ثم يتسنى لنا القول بأن التصوير اللغوي إيحاء لا نهائي يتجاوز الصور المرئية لكونه صورة فنية ” تمتاز بأنها ثمرة انتقاء وتهذيب للمادة المحسوسة، المستمدة من الطبيعة أو من الحياة الإنسانيـة، وغاية هذا الانتقاء هو إثارة التأثير أو الانفعـال الجمالي “. (30)
إن وظيفة الكلمات في المحيط الخارجي لا تعدو أن تكون مجرد إشارات لأشياء بعينها، بيد أن وجودها داخل سياق النص الروائي يعطيها بعداً دلالياً أعمق، إذ تخرج هذه الكلمات من مجرد كونها إشارات إلى كونها رموزاً ذات كثافة دلالية، وهي بذلك تنتقل من معناها الدلالي المباشر إلى مستوى أعلى في الدلالة.
وجدير بالذكر أن الكلمات تصير رموزاً في سياق النص الروائي حينما تكون موحية وتوعز بمعان كثيرة. تلك المعاني التي يمكننا التوصل إليها من طبيعة الكلمة ذاتها، ومن تكرارها داخل النص الروائي، ومن كيفية توظيفها في إطار الصورة الفنية، فضلاً عن علاقتها ببقية عناصر الرواية من شخصيات وحدث وزمان … إلخ.
ولتوضيح ما سبق بصدد الرمز، رأينا من الأفضل أن نسوق بعض الكلمات كأمثلة. فكلمات مثل القمر، الأفعى، الأرض، الماء، النار – حال توظيفها داخل النص الروائي واستناداً إلى ما ذكرناه آنفاً، ومن خلال ربطها بدلالات في أصولها المرجعية الأسطورية والدينية والشعبية والتاريخية – تكتسب دلالات مزدوجة مثل البداية والنهاية، الحياة والموت، وهي دلالات مغايرة للدلالات المباشرة لهذه الكلمات.
وكلمة الصحراء – مثلاً – تشير في دلالتها المباشرة إلى مكان بعينه، إلا أنها في سياق النص الروائي قد تحمل دلالة رمزية هي الحرية. ذلك أن الصحراء ” لا تخضع لسلطة أحد (و) لا يملكها أحد، وتكون الدولة وسلطانها بعيدة بحيث لا تستطيع أن تمارس قهرها. ولذ لك تصبح أسطورة نائية “. (31)
وإذا ما تصورنا كلمة الصحراء بما تشير إليه من مكان بعينه خالٍ من العوائق والحواجز، وجدنا أنها تؤكد التحرر باعتباره ” المعنى الأعلى لكل وجود إنساني ” (32) ، كما أنها تتمشى مع أبسط صور الحرية التي هي ” مجموع من الأفعال التي يستطيع الإنسان أن يقوم بها دون أن يصطدم بحواجز أو عقبات، أي بقوة ناتجة من الوسط الخارجي، لا يقدر على قهرها أو تجاوزها “. (33)
إلا أنه ينبغي التنبيه إلى أن الدلالة المستوحاة من المكان، لا تنبثق – بالضرورة – من المكان برمته، إذ يمكن أن تنبثق من أحد عناصره أو أحد متعلقاته. والفيصل في ذلك هو السياق المكاني في النص الروائي وتفاعل عناصر الرواية داخل هذا السياق. فتحليق الطير في السماء – مثلاً – يمكن تفسيره على أنه رمز للحرية والأنا الأعلى بما تنطوي عليه من مثالية وأهداف نبيلة (34) . كما أن السماء في حد ذاتها يمكن أن تكون رمزاً للاعتلاء والصعود الروحي والقوة والخلود. ذلك أن السماء تعد في كثير من المعتقدات الشعبية مقراً للآلهة. (35)
واستناداً إلى ما تقدم يمكن أن ترمز الشمس إلى الحياة والقوة والخير وكل ما هو طيب. (36) كما أنها قد ترمز إلى التسامي والعقل والإيمان. (37)
وإذا كنا قد سقنا بعض الأمثلة لما يمكن أن ينبثق من دلالات من المكان أو بعض متعلقاته، فإنه يجدر بنا التأكيد على أن تحديد شكل المكان أو بعض متعلقاته من زواياه المختلفة له دلالته.
فإذا أخذنا اللون كمثال لهذه الزوايا، وجدنا أن توظيف اللون في حد ذاته يمدنا بصورة مرئية للمكان أو أحد معتقداته، كما أن تحديد الألوان أو التركيز على لون بعينه له ثقله في الدلالة، استناداً إلى أن هناك ألوان أساسية وأخرى ثانوية. فإذا ما وصف الروائي مكاناً ما – وليكن البحر مثلاً – مضفياً على مياهه اللونين الأخضر والأزرق، وجدنا أن اللونين يعطيان تفسيراً طبيعياً للمكان من حيث أبعاده المسافية، فـ ” اللون الأخضر يرتبط على نحو خاص بالمياه القريبة من الشاطئ والمياه الضحلة…، أما اللون الأزرق فيرتبط بالمياه البعيدة العميقة “. (38)
ومع تسليمنا بأن عملية الوصف باستخدام الألوان عملية لها دلالة رمزية، ولما كانت الأ لوان ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعمليات التفكير والانفعالات (39) ، فإننا نجد أن إضفاء اللونين الأخضر والأزرق على مياه البحر يؤكد رمزية المياه في الأصول المرجعية باعتبارها أحد عناصر البداية والحياة والاستمرارية والقوة. ذلك أن اللون الأزرق يعد من الألوان الأساسية الأولية التي لا تقبل الانقسام، فهو لا يتولد من لون آخر (40) ، والعكس صحيح، فضلاً عما ينطوي عليه هذا اللون من دلالات القوة لاقترانه بعظمة الملوك، في حين أن اللون الأخضر ينطوي على دلالات الحياة والخلود بما يثيره هذا اللون في ذاكرة المتلقي من ارتباطه (أي اللون) بسيدنا الخضر عليه السلام، وهو ارتباط نابع من المعتقدات الشعبية، مما يؤكد أن الألوان ” ذات قيمة سيكولوجية واجتماعية لا يمكن إنكارها ” (41) . فإذا ما تصورنا أن الروائي في وصفه لمكان ما – وليكن السماء مثلاً – مركزاً على تحليق طيور ذات لون أبيض، لوجدنا أنه بالإضافة إلى ما تمدنا به حركة الطيران من تصور للبعد المسافي للمكان اتساعاً وارتفاعاً، فإن اللون الأبيض يرمز إلى الصفاء والنقاء والارتقاء، فضلاً عن أن وجود الطير في السماء – مقر الآلهة – قد يعد رمزاً للسمو الروحي والفضيلة الأخلاقية والطهر الملائكي. (42)
وحيث إن النظرة إلى الألوان تعكس حالة سيكولوجية متولدة من المعتقدات الاجتماعية، وإذا جاز لنا أن نتصور وصف الروائي لمكان – كالسرداب مثلاً – بالقتامة والظلمة، لتسنى لنا القول بأن السواد أو القتامة المستوحيان من الظلمة، قد يرمزان إلى الغموض والمجهول والاكتئاب والقلق وهي دلالات نستوحيها من ارتباط اللون بكلمة السرداب بما تثيره هذه الكلمة في ذهن المتلقي من تصور لضيق السرداب وطوله. وهذا الجمع بين لون السرداب وشكله المتخيل قد يؤدي إلى استنتاج استمرارية آنية هذه الدلالات.
وقد رأينا أن نكتفي بهذا القدر من الأمثلة، إذ لا مجال لسوق أمثلة أخرى، حيث إن ما أردنا التأكيد عليه هو أن الروائي في وصفه للمكان، باستطاعته خلق “علاقة لغوية متولدة تتمتع بخصوصيتها من السياق والموضوع داخل النص ” (43) وأنه باحتواء المكان الواحد لمفردات مختلفة تشكل تفاصيله وجزئياته، تتبلور لوحة غاية في التركيب قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، بيـد أن تواجدها في السياق الروائي يحولها إلى رموز يصبح معها ” كل شيء موظفاً، وحتى ما يبدو هامشياً، يؤدي وظيفته في إطار هامشيته ” (44) . وهذه الرموز ” تعيد تشكيل أدبية الرواية، وتجسد الرؤية وتؤسس جماليات جديدة “. (45)
دور المكان في النص الروائي:
والمكان باعتباره عنصراً من عناصر الرواية، له دور فعال في النص الروائي، إذ قد يتحول من مجرد خلفية تقع عليها أحداث الرواية إلى عنصر تشكيلي من عناصر العمل الروائي. فالمكان له دور مكمل لدور الزمان في تحديد دلالة الرواية. كما أن له أهمية كبرى في تأطير المادة الحكائية وتنظيم الأحداث؛ إذ يرتبط بخطية الأحداث السردية، بحيث يمكن القول بأنه يشكل المسار الذي يسلكه اتجاه السرد. وهذا التلازم في العلاقة بين المكان والحدث هو الذي يعطي للرواية تماسكها وانسجامها ويقرر الاتجاه الذي يأخذه السرد لتشييد خطابه، ومن ثم يصبح التنظيم الدرامي للحدث هو إحدى المهام الرئيسية للمكان. (46)
والمكان – سواء كان مشهداً وصفياً أم مجرد إطار للحدث – يدخل في صلات وثيقة مع باقي المكونات الحكائية في النص الروائي، كما ” يدخل في نسيج النص من خلال حركة السارد في المكان ” (47) فيغير إيقاع السرد بعبور السارد أمكنة مختلفة في الرواية مما يؤدي إلى تغير الأمكنة داخل الفضاء الروائي، الذي ينتج عنه ” نقطة تحول حاسمة في الحبكة وبالتالي في تركيب السرد والمنحنى الدرامي الذي يتخذه “. (48)
وحيث إن ” تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جمالياً من أبعاد النص الأدبي ” (49) ، فإنه يمكن النظر إلى المكان الروائي على أنه بؤرة تجتمع فيها شبكة من العلاقات التي تجمع بين عناصر الرواية المختلفة، ومن ثم يصبح المكان عنصراً غير زائد في الرواية؛ إذ يتخذ أشكالاً ويتضمن معان عديدة، بل إنه قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل كله و ” يكون منظماً بنفس الدقة التي تنظم بها العناصر الأخرى في الرواية، لذلك فهو يؤثر فيها ويقوى من نفوذها “. (50)
وغنى عن البيان أن ثمة علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصيات الروائية – رئيسية وثانوية – إذ يعد المكان عنصراً أساسياً في تشكيل بنية هذه الشخصيات، كما أنه لا يتشكل إلا من خلال اختراق هذه الشخصيات له وظهورها فيه بمميزاتها والأحداث التي تقوم بها فيه، الأمر الذي يؤكد لنا أن ” المكان حقيقة معاشة * ، ويؤثر في البشر بنفس القدر الذي يؤثرون فيه ” (51) ، فمن الوهم إذن الاعتقاد بانفصال المكان عن تأثير الإنسان القاطن به أو العابر له، ذلك أن علاقة التأثير والتأثر بين المكان والإنسان تتوثق من خلال الدور الذي يلعبه كل منهما إزاء الآخر؛ فالمكان يكشف عن شخصية الإنسان، بينما يعطى الأخير للمكان قيمته من خلال تجربته فيه.
وإذا كان المكان ” يتخذ دلالته التاريخية والسياسية والاجتماعية من خلال الأفعال وتشابك العلاقات، فإنه يتخذ قيمته الكبرى من خلال علاقته بالشخصية ” (52) . وتبدو أعلى درجات هذه القيمة حين يكون المكان جزءاً من بناء الشخصية لأن ” الذات البشرية لا تكتمل داخل حدود ذاتها، ولكنها تنبسط خارج هذه الحدود لتصبغ كل ما حولها بصبغتها، وتسقط على المكان قيمها الحضارية ” . (53)
ومع التسليم بوجود علاقة تأثير وتأثر بين المكان والشخصية، فإننا لا نجد غرابة في أن يكون المكان ” قطعة شعورية وحسية من ذات الشخصية نفسها ” (54) . من ثم نجد الروائي حين يشيد المكان في الرواية، يعمد إلى جعل هذا المكان منسجاً مع طبائع شخصياته ومزاجها، بحيث يبدو كما لو كان خزاناً حقيقياً للحالة الشعورية والذهنية للشخصيات، وإلى جعل المكان ذاته يكشف عن الحالات اللاشعورية للشخصيات ويساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها.
مما تـقدم يتبين لنا أن المكان يمكن أن يقوم بدور العاكس ” Reflector ” لأحاسيس الشخصية الروائية، بل أكثـر من ذلك؛ إذ يمكنـه القيـام بـدور الشخصيـة ذاتها، وذلك ” باعتباره تصويراً لغوياً يشكل معادلاً حسياً ومعنوياً للمجال الشعوري والذهنـي للشخصية ” (55) ، كما يمكن أن يمثل المكان رمزاً من رموز الانتماء بالنسبة للشخصية لا سيما إذا كان هذا المكان أليفاً في علاقته بالشخصية بحيث لا يُعمق لديها إحساساً بالغربة، بل على العكس ينمي فيها الإحساس بالامتلاك، وذلك حين تمتلك الشخصية – بالفعل – مكانها وجدانياً. وعليه يمكننا القول بأن “هناك أماكن مرفوضة وأماكن مرغوباً فيها، فكما أن البيئة تلفظ الإنسان أو تحتويه، فإن الإنسان – طبقاً لحاجاته – ينتعش في بعض الأماكن ويذبل في بعضها “. (56)
كيفية قراءة المكان في النص الروائي:
لما كان المكان لا يعيش بمعزل عن باقي عناصر الرواية، وإنما يدخل في علاقة تفاعل مع المكونات الحكائية للسرد كالشخصيات والزمان والأحداث والرؤى السردية، فإن عدم قراءته ضمن هذه العلاقات والصلات يجعل من العسير فهمه داخل السرد الروائي. في حين أن قراءتنا له مرتبطاً بالعناصر سالفة الذكر، تظهر مدى وعينا به وقدرتنا على فهمه، ومن ثم قدرتنا على تلقي النص الروائي وفهمه.
وحتى يتسنى لنا قراءة المكان قراءة واعية تؤدي إلى فهمه على نحو صحيح. اقترح الباحثون ثلاثة محاور في هذا الصدد؛ يتمثل أولها في الرؤية (أو زاوية النظر أو المنظور) التي يتخذها الراوي أو الشخصيات عند مباشرتهم للمكان لأن الرؤية هي التي تقود ” نحو معرفة المكان وتملكه من حيث هو صورة تنعكس في ذهن الراوي، ويدركها وعيه قبل أن يعرضها علينا في خطابه ” (57) . في حين يتمثل المحور الثاني في فهمنا للغة الموظفة لتشخيص أو وصف المكان؛ فكل لغة لها صفات خاصة في تحديد المكان أو رسم طوبوغرافيته وبها يحقق المكان دلالته الخاصة وتماسكه (58) . أما المحور الثالث فيتمثل في المتلقي أو القارئ للمكان في النص الروائي فهو يتلقى جمالياته المنبثقة عبر النص السردي والتي لهاأثرها في التلقي، كما أنه يساهم في إنتاج هذه الجماليات. (59)
وفي النهاية يعد الجانب الجمالي للمكان ” درجة من الجودة تحسب للروائي لقدرته على اختزان أمكنة مغايرة لما يعهده المتلقي أو تقديم المكان الذي يعيشه المتلقي في صورة فنية مختلفة “. (60)

الـهـوامـش
(1)    يوسف كرم. تاريخ الفلسفة الحديثة، ط5، القاهرة، دار المعارف، 1986م، ص222.
(2)    مصطفى الضبع. استراتيجية المكان، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، أكتوبر 1998م، ص60.
(3)    يمنى طريف الخولي. إشكالية الزمان في الفلسفة والعلم، ” ألف ” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعة الأمريكية، ع9، 1989م، ص13.
(4)    أنظر: يورى لوتمان. مشكلة المكان الفني؛ ترجمة سيزا قاسم دراز، ” ألف ” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعـة الأمريكيـة، ع6، ربيع 1986م، ص ص 81 – 82.
(5)    مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص60.
(6)    يمنى طريف الخولي. مرجع سابق، ص13.
(7)    أنظر: حميد لحمداني. بنية النص السردي، ط1، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1991م، ص ص 75 – 76.
(8)    انظر كلاً من:
- حميد لحمداني. السابق، ص62.
- مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص ص 76 – 77.
(9)    غاستون باشلا ر. جماليات المكان؛ ترجمة غالب هلسا، ط3، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1987م، ص ص 5 – 6.
(10)    مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص70.
(11)    حسن بحراوي. بنية الشكل الروائي: الفضاء – الزمن – الشخصية، ط1، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1990م، ص32.
(12)    بدرى عثمان. بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م، ص94.
(13)    مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص151.
(14)    عبدالملك مرتاض. في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1998م، ص160.
(15)    قدامة بن جعفر. نقد الشعر، القاهرة، المطبعة المليجية، 1935م، ص70.
(16)    أنظر: سيزا قاسم دراز. بناء الرواية: دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1984م، ص80.
(17)    عبدالملك مرتاض. ألف ليلة وليلة: دراسة سيميائية لحكاية، ط1، بغداد، دار الشئون الثقافية العامة، 1989م، ص108.
(18)    حسن بحراوي. مرجع سابق، ص60.
(19)    سمر روحي الفيصل. بناء المكان، مجلة الموقف الأدبي، دمشق، ع306، 1996م، ص13.
(20)    سيزا قاسم دراز. مرجع سابق، ص82.
(21)    حسن بحراوي. مرجع سابق، ص47.
(22)    مصطفى الضبع.مرجع سابق، ص109.
(23)    السابق. ص119.
(24)    السابق. 65.
(25)    جابر عصفور. الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، القاهرة، دار المعارف، 1973م، ص340.
(26)    سيزا قاسم دارز. القارئ والنص من السيميوطيقا إلى الهيرمينوطيقا، مجلة عالم الفكر، الكويـت، المجلـس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مج 23، ع ع 3 – 4، يناير – يونيو 1995م، ص255.
(27)    أنظر: سيزا قاسم دراز. بناء الرواية…، مرجع سابق، ص100.
(28)    جابر عصفور. مرجع سابق، ص341.
(29)    جورج طرابيشي. رمزية المرأة في الرواية العربية ودراسات أخرى، ط2، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، سبتمبر 1985م، ص85.
(30)    أميرة حلمي مطر. مقدمة في علم الجمال، القاهرة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع، 1976م، ص37.
(31)    يورى لوتمان. مرجع سابق، ص82.
(32)    عبدالرحمن بدوي. الزمان الوجودي، ط2، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1955م، ص39.
(33)    يورى لوتمان. مرجع سابق، ص82.
(34)    أنظر: إبراهيم عبدالحافظ. تحول الإنسان إلى طائر في الحكايات الشعبية، مجلة الفنون الشعبية، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع 44، يوليو – سبتمبر 1994م، ص43.
(35)    أنظر: جان صدقة. رموز وطقوس: دراسات في الميثولوجيات القديمة، لندن، رياض الريس للكتب والنشر (د.ت) ص51.
(36)    أنظر: أدولف إرمان. ديانة مصر القديمة؛ ترجمة عبدالمنعم أبو بكر ومحمد أنور شكري، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987م، ص127.
(37)    أنظر: تسعديت آيت حمودي. أثر الرمزية الغربية في مسرح توفيق الحكيم، ط1، بيروت، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م، ص226.
(38)    عبادة كحيلة. عن العرب والبحر، ط1، القاهرة، مكتبة مدبولي، 1410هـ- 1989م، ص13.
(39)    أنظر: شاكر عبدالحميد. العملية الإبداعية في فن التصوير، ط2، القاهرة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1997م، ص19.
(40)    أنظر: السابق. ص180.
(41)    السابق. ص20.
(42)    أنظر: جيلبير دوران. الأنثروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها؛ ترجمة مصباح الصمد، ط1، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1411هـ – 1991م، ص108.
(43)    مدحت الجيار. جماليات المكان في مسرح صلاح عبدالصبور، ” ألف ” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعة الأمريكية، ع6، ربيع 1986م، ص40.
(44)    بدري عثمان. مرجع سابق، ص175.
(45)    أمينة رشيد. تشظي الزمن في الرواية الحديثة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م، ص148.
(46)    أنظر: حسن بحراوي. مرجع سابق، ص ص 20، 29، 30.
(47)    مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص71.
(48)    حسن بحراوي. مرجع سابق، ص32.
(49)    افتتاحية ” ألف ” مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، الجامعة الأمريكية، ع6، ربيع 1986م، ص5.
(50)    مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص151.
(51)    يوري لوتمان. مرجع سابق، ص83.
(*) وردت كلمة معاشة في الاقتباس، والصحيح هو “معيشة”.
(52)    محمد الباردي. الرواية العربية الحديثة، ط1، اللاذقية، دار الحوار، 1993م، ص 232.
(53)    يوري لوتمان. مرجع سابق، ص83.
(54)    بدري عثمان. مرجع سابق، ص95.
(55)    السابق. ص132.
(56)    يوري لوتمان. مرجع سابق، ص83.
(57)    حسن بحراوي. مرجع سابق، ص101.
(58)    أنظر: السابق. ص32.
(59)    أنظر: مصطفى الضبع. مرجع سابق، ص395.
(60)    السابق. ص73.

About these ads

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s