لَمَّا باَباَ يَنَام – كوميديا هادفة

من المسئول عن سقوط المستوى الفني لبعض اغانينا؟! من المسئول عن حدوث التضارب بين الرؤية والكلمة في بعض اغاني الفيديو كليب، وعن تشويش النظر حال مشاهدة هذا النوع من الاغاني؟! من المسئول عن غياب المعنى الحقيقي للفن؟! من المسئول عن افتقار برامجنا الثقافية الى مغزى؟! من المسئول عن وقوع اولادنا في براثن الموبقات دونما وعي او دراية؟! من المسئول عن تماهى المفاهيم واختلاطها لدى شبابنا؟! من المسئول عن مشكلة الزواج العرفي التي ينزلق اليها بعض الشباب الجامعي في المجتمع المصري؟! من المسئول عن تفشى البطالة؟!
تلك هي أهم التساؤلات المطروحة في نص مسرحي جاد (لَمَّا باَباَ يَنَام)، يتم عرضه على مسرح قطاع خاص (مسرح مدينة نصر) بالقاهرة.
والمسرحية عرض كوميدي متميز، تأليف احمد عوض وانتاج عصام الامام واخراج خالد جلال بطولة نجمة السينما الفنانة يسرا وعمالقة الكوميديا الفنانين حسن حسني وعلاء ولي الدين واشرف عبدالباقي والنجم التليفزيوني هشام سليم.
(لَمَّا باَباَ يَنَام) عنوان لكوميديا راقية، يتخذ منه المؤلف ـ بما فيه من اسم (بابا) يرمز الى القيادة والهيمنة والسيطرة، ومن فعل (ينام) بما يدل عليه من استمرار الغفلة والغيبة عن الرقابة ـ مدخلا اساسيا لبقية عناصر المسرحية وهي: الحدث (Action).
ويدور حول عائلة مصرية من الطبقة الارستقراطية حيث نرى رب اسرة يتسم بالشدة والصرامة في تربية ولديه في غياب الام المتوفاة، وقد بلغت به المحافظة حدا جعله يرغم ولديه على دخول كليتين ضد رغبتهما.
ويتبدى لنا تمسك الاب بأقصى درجات المحافظة من خلال مواقف كوميدية، كأن يجعل الاب مجلس الشعب متنزها لولديه، ويستخرج للسائق تصريحا لدخول الجامعة وحضور المحاضرات معهما، ويمنع الولدين حتى من تناول الشاي، ويرغمها على اقامة مراسم جنائزية في ذكرى وفاة والدتهما.
ليس هذا فحسب، بل انه يحول دون دخول اي عنصر نسائي الى الفيلا، الامر الذي ادى الى انقياد الولدين لتشجيع السائق لهما على الخروج الى الحياة الخارجية وتجربة موبقاتها، فكانت النتيجة ان وقعا ضحية لاحد المواخير واوشكا على الوقوع في قضية مخلة بالآداب. تلك ـ في ايجاز ـ احداث المسرحية التي تخللتها عروض غنائية راقصة.
الشخصيات (Characters)
* الفنانة يسرا في دور (نشوى) خريجة كلية الحقوق التي تضطرها البطالة الى التنكر في زي طباخ حتى يتسنى لها دخول الفيلا للعمل، غير ان رب الاسرة يكتشف انثويتها ويسمح لها بالعمل طباخة.
ومع الكشف الفجائي لهذا العنصر الانثوي، بما فيه من جمال وطموح واقبال على الحياة، يبدو لنا مدى التحول في مسار حياة الاسرة، اذ يتنفس افرادها الصعداء بعد انغلاق طال مداه، ويشرعون في تذوق الحياة بكل مباهجها التي تبعث على التفاؤل. بيد ان هذا التحول الفجائي لا يخلو من خطورة حيث ان افتقار الابن الاكبر للخبرة في علاقته بالجنس الآخر يؤدي به الى الوقوع في حب (نشوى) دون ان يعلم بحب ابيه لها وزواجه منها.
* الفنان حسن حسني في دور الاب الدكتور (عدنان) الجيولوجي. فرغم تمسكه بكل ما هو نمطي تقليدي، فانه يتأثر بالتحول ومن ثم تتحرر احاسيسه ومشاعره المفعمة نحو (نشوى) وتتغير معاملته لولديه من الشدة الى الحنو ومن الصرامة الى اللين.
* الفنان اشرف عبدالباقي في دور (مرتضى) الابن الاكبر الذي يعاني من التمزق النفسي نظرا لارغام والده له على دخول كلية الطب بدلا من ان يدعه يشبع رغبته في الغناء.
* الفنان هشام سليم في دور (مشرقي) الابن الاصغر الذي يتم اجباره على دخول كلية الهندسة بدلا من كلية السياحة والفنادق. ونتيجة لاسلوب الكبت والارغام في التربية، فانه يقع فريسة غرائزه فيتزوج عرفيا من زميلة له بالجامعة.
* الفنان علاء ولي الدين في دور (ابتسم) الذي يعمل سائقا لدى الاسرة بدلا من خاله الذي يرقد طريح الفراش بالمستشفى. ورغم ما تتسم به هذه الشخصية من طيبة وحسن نية، فان محدودية ثقافتها وقصور وعيها يحولان دون ادراك مدى فداحة الموقف وخطورته في تشجيع الولدين على خرق سياج النقاء والطهر والولوج الى عالم الموبقات.
الحوار (Dialogue)
وتنتمي لغته الى العامية المصرية، وهو حوار يدور ـ في الاعم الاغلب ـ بين شخصيتين او اكثر.
الحبكة (Plot)
وتبلورها شخصية (نشوى) اذ بدخولها محيط الاسرة يبدأ المنحنى الدرامي للحبكة على نحو يؤكد التحول الفجائي للحدث، وكذا التصاعد التدريجي الرأسي لبقية عناصر المسرحية، وهو تصاعد ينم عن بداية ووسط ونهاية.
المكان (Location)
يظهر من خلال الحوار انه فيلا كبيرة، يتم التعبير عنها بواسطة عرض ديكور لبهو كبير، يعكس حياة اسرة ارستقراطية، بما يتضمنه من اثاث كلاسيكي، وصور متنوعة لرب الاسرة، معلقة على الحوائط، وهو يرتدي ملابس تشير الى احدى السلالات العريقة التي تنتمي الى تاريخ مصر الحديث.
الزمان (Time)
وينقسم الى شقين: زمن فلكي، وهو الحاضر الذي تقع فيه احداث المسرحية، بما ينطوي عليه من استمرارية وربط بين الماضي والمستقبل؟ وزمن داخلي يتمثل في رغبات الشخصيات نحو تحقيق ذواتها، وفيما ينتابها من تحولات نفسية.
تلك هي العناصر الفنية التي تشكل هذا العرض الراقي لكوميديا اجتماعية هادفة. ذلك الرقي الذي يكتمل بمجموعة من المميزات الفنية المتمثلة في: الاداء التمثيلي:
الفنانة يسرا تؤكد وللمرة الثالثة، بعد مسرحيتي (بداية ونهاية) و(كعب عالي) انها اهل لعملقة المسرح، وانها فنانة شاملة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، اذ ان نجومية هذه الفنانة لا تتشكل من خلال التجسيد الصادق لمختلف الادوار عبر السينما والتليفزيون والمسرح فحسب، بل ايضا من القدرة الفائقة في اداء الدور الكوميدي في هذه المسرحية، وهو دور يعد ـ من وجهة نظري ـ من اصعب الادوار تجسيدا واداء، فأي ممثل قدير، يتسنى له اقناع المشاهد بصدق الاداء، او ابكائه، لكن ليس من الضروري ان كل ممثل مهما بلغت درجة نبوغه، يستطيع ان يفجر الضحك لدى المشاهد.
ولا يقف تميز الفنانة يسرا عند حد اداء الدور الكوميدي في هذه المسرحية، بل يتعداه الى عروض الغناء والرقص (الشرقي والغربي). تلك العروض التي تقدمها بدقة متناهية لا تقتصر على اتقان الخطوات واداء الحركة بخفة ورشاقة فحسب، بل في البصمة التعبيرية التي تنم عن (انا) فنية عالية.
الفنان حسن حسني تجسيد صادق لدور الاب، مما يجعلنا نستشعر ما يكتنف هذه الشخصية من متناقضات.
الفنان اشرف عبدالباقي نسيج كوميدي، تتجدد خيوطه والوانه مع كل جملة حوارية.
الفنان هشام سليم طاقة من الابداع التمثيلي، شكلا ومضمونا، غير انها لم تفجر بشكل كامل في هذا العرض المسرحي.
الفنان علاء ولي الدين تلقائية كوميدية يؤكدها حضور جسدي.
النص المسرحي:
ويصلنا عبر الحوار، دونما اسفاف او خروج ينافى الآداب العامة.
عروض الرقص والغناء:
وقد تم تقديم بعضها ـ ثنائيا كان ام جماعيا ـ بشكل فني يتسق ومجرى الاحداث، لاسيما عروض: الست وعيد الميلاد ولاس فيجاس، الماخورة هذا فضلا عن تقديمها دون عري مبالغ فيه.
الرسالة المستوحاة:
اذا كان من اهداف الفن ان يحوي رسالة، فان هذا العرض الكوميدي، قد قدم لنا مجموعة من الرسائل يتمثل اهمها في:
ـ ان اسلوب الكبت في التربية يولد الانفجار، ويفضي الى ضياع اولادنا، وان وجود عنصر نسائي بناء في محيط الاسرة، عامل اساسي ومكمل للعنصر الرجالي في اداء رسالة التربية، من اجل خلق اسرة قوامها الحب والتضامن والتعاون والتفاهم والتفاؤل والاقبال على الحياة، مع ملاحظة ان اسرة عدنان في المسرحية، ما هي الا رمز او نواة للاسرة الكبيرة، اي المجتمع بأسره.
ـ ان عملية اشباع الرغبات، تحقيقا للذات، امر ضروري لخلق كيان انساني قوي وسوي. ومن ثم تعد المسرحية بمثابة دعوة صريحة لتواصل الاجيال بما يكفل الحب والاحتضان والامان والتفاهم بين الآباء والابناء.
ـ ان حماية الانسان لذاته من الآثار السلبية الناجمة عن البطالة امر حتمي، حتى ولو اضطر الى مزاولة اعمال بسيطة يتكسب منها بشرف.
التوظيف الفني للاسم:
اذا كان الاسم وما ينطوى عليه من دلالة، عاملا اساسيا من عمليات التشخيص في العمل الفني، فان الاسماء (عدنان ـ نشوى ـ مرتضى ـ مشرقي ـ ابتسم) في المسرحية موضوع النقاش، لم يتوقف توظيفها عند حد التوافق والاتساق مع طبيعة الشخصية، بل تعداه الى تأكيد الرسالة العاملة المستوحاة من مضمون المسرحية، والتي تتمثل في الدعوة الى اثبات الوجود الذاتي بالطموح، مع الرضا والتفاؤل. ذلك الاثبات الذي نتوصل اليه من خلال الاسم (عدنان) بما يكتنفه من رمزية تؤكد المال والجاه والنفوذ، والذي يستحيل تحقيقه دون الطموح والرغبة في الحياة والاقبال عليها، وهو ما يتأكد من دلالة الاسم (نشوى)، فضلا عن طبيعة هذه الشخصية. وفي حالة عدم تحقق الاثبات والطموح بالقدر المرجو، فعلينا بالرضا المستوحى من الاسم (مرتضى)، شريطة الا يقف هذا الرضا عند حد الركود والاستكانة، بل لابد من المحاولة المستمرة التي يرمز اليها اسم (مشرقي)، مقرونة بالتفاؤل والاستبشار (ابتسم).
ورغم ما يذخر به هذا العمل من مميزات فنية على نحو ما اسلفنا، فانه لا يخلو من بعض المآخذ، شأنه في ذلك شأن اي عمل فني. وتتمثل هذه المآخذ فيما يلي:
ـ عدم التوافق الفني بين مجرى خط الحبكة وسير الاحداث، اذ يبدأ هذا الخط بدخول شخصية (نشوى) ـ في الفصل الاول من المسرحية ـ الى محيط الاسرة، آخذا في التنامي والصعود السريع، بدرجة يستشعر معها المشاهد قصر الفترة الزمنية لهذا التنامي الذي يصل الى ذروته (Climax) ـ في الثلث الاول من هذا الفصل ـ بالكشف المفاجئ لانثوية هذه الشخصية. بيد ان هذا التنامي السريع، لا يواكبه تطور في الحدث الا مع مشارف الربع الاول من الفصل الثاني. الامر الذي ينجم عنه فجوة فنية، حيث يبدو معظم الفصل الاول للمشاهد وكأنه مقدمة طويلة او بوتقة تضم كل الاسقاطات الفنية والثقافية والاجتماعية المبتغاة، في حين انه كان يمكن توزيع هذه الاسقاطات على نحو اكثر فنية تتسق مع مجرى الاحداث وتؤكدها، وهو ما حدث بالفعل مع بعضها.
ـ الايقاف الجبري لخط تطور الحبكة عند نقطة الذروة لفترة زمنية طويلة، يترتب عليه توقف بقية العناصر الفنية للمسرحية. ذلك ان هذا الخط الذي تبلوره شخصية (نشوى) يعد بمثابة العمود الفقري والمحور الرئيسي الذي تدور حوله بقية محاور المسرحية التي تتطور متأثرة بتطوره.
وقد ترتب على هذا الايقاف الجبري، الاحساس بتهميش هذا المحور رغم اهميته الفنية، ومن ثم غياب مضمونه البناء ـ لفترة ما ـ عن المشاهد، وكذا غياب مغزى الاسقاطات سالفة الذكر، ليطغى عليه الجانب الكوميدي فقط.
ـ الاطالة النسبية للمواقف الكوميدية، على نحو يكاد يخرج بالمشاهد من اطار مرح الى اطار ممل، منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ موقف المراسم الجنائزية، موقف موعد الحلاقة الساعة السابعة، الذي دار بصدده الحوار بين الاب (عدنان) والابن (مرتضى).
وعليه، فانني ارى انه كان بالامكان اختصار الفترة الزمنية المخصصة لعرض فصلي المسرحية الى ثلاث ساعات بدلا من اربع، وذلك بالتخلص من اطالة بعض المواقف الكوميدية، وحذف بعض عروض الرقص والغناء التي لا تأثير لها على سير الحدث المسرحي، مما يزيد من الرونق الفني للمسرحية، لاسيما وان المشاهد قد تعدى ـ ثقافيا وفكريا وشعوريا ـ مرحلة ضرورة اضحاكه اربع ساعات كاملة لقاء ما دفعه ‎(ثمن التذكرة).
وعلى الرغم من المآخذ الفنية السابقة، فانني لا انكر انني استمتعت بمشاهدة هذا العمل المسرحي الكوميدي الراقي فنا ومضمونا، وكم كنت اتمنى اكتمال هذا الرقي برقي حضاري آخر وهو الالتزام بالموعد المحدد لرفع الستار، والمعلن عنه في الصحف المصرية الرسمية (الساعة التاسعة مساء) حيث انني بوصفي واحدة من جموع المشاهدين الذين يحترمون الفن ويقدرون الفنان قد قرأت الاعلان عن هذه المسرحية بوطني (سلطنة عمان)، ومن ثم قطعت آلاف الاميال سفرا الى ارض الكنانة (مصر) شوقا الى مشاهدة هذا العرض المسرحي. وعلى غير المتوقع فقد تم رفع الستار في التاسعة والنصف، ناهيك عن انتظاري وكذا غيري من مئات المشاهدين، على باب المسرح منذ الثامنة والنصف في ليلة برد قارس.
وعليه، فمن حقي ـ بوصفي جمهورا ـ مطالبة الطرف الآخر ـ ان لم يبادلني نفس التقدير ـ فعلى الاقل، عليه ان يحترم آدميتي، لاسيما وانه فنان.
واذا كان الشكر واجبا على الانسان، وحقا للطرف الآخر، فانني اوجهه بكل الامتنان الى الاستاذ عصام الامام (منتج المسرحية ومدير المسرح وشقيق الفنان عادل امام) لتفضله واهتمامه بحجز مقعد لي في الصفوف الاولى رغم الزحام الشديد، ورغم عدم معرفته بي شخصيا. فضلا عن استقباله لي بحفاوة وترحيب ينمان عن صدق ودفء مشاعر المصري في استقبال ضيفه.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

ملخص محاضرة الحكاية في الموروث الفكري والشعبي

ضمن فعاليات الندوة الثالثة للتراث الشعبي لدول مجلس التعاون، والتي نظمتها وزارة التراث القومي والثقافة، ألقـت د. آسية البوعلـي الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس ـ امس بالنادي الثقافي بالقرم ـ محاضـرة شائقـة تحت عنوان ” الحكاية في الموروث الفكري والشعبي “.
وقد احتوت المحاضرة على مجموعة من الأفكار الأساسية تمثل أهمها في: تعريف مصطلح الفولكلور؛ أي الموروث الشعبي، والإشكاليات التي تتعلق بتعريف هذا المصطلح، فضلاً عن أن دراسة الموروث الشعبي في جانبه الحسي أو المادي يعد أيسر بكثير من محاولة الخوض في مكنون جانبه المعنوي، إذ الأخير يتعلق على نحو خاص بالعمليات السيكولوجية المكبوتة فينا، والتي تفرضها في كثير من الأحايين الظروف الاجتماعية المواقف الحياتية.
وبعد عرض لأنماط من الموروث الشعبي وما لها من وظائف اجتماعية، تطرقت د/ آسية البوعلي إلى الحديث عن الأدب الشعبي باعتباره جزءاً من الموروث الشعبي، يتخذ من الكلمة أداة تعبيرية أساسية، وبينت أن إشكاليات الأدب الشعبي لا تقل تعقيداًَ عن إشكاليات الموروث الشعبي، لاسيما في محاولة بحث الدارسين عن البواعث لنشوء أجناس الأدب الشعبي، والمدارس المختلفة التي انشغلت بدراسة هذه الأجناس، وما ترتب عليه من اختلاف في الآراء ووجهات النظر.
ثم انتقلت د/ آسية البوعلي إلى جنس معين من أجناس الأدب الشعبي وهو جنس “الحكاية” ممثلة إياه في الأسطورة والحكاية الخرافية والحكاية الشعبية والسيرة الشعبية، وقد أبرزت د/ آسية البوعلي أهم مميزات هذا الجنس الأدبي التي تمثلت في كونه أداة اتصال جماعي، يعتمد الكلمة الشفاهية أداة تعبيرية قبل الكلمة المكتوبة أو المدونة، ومن ثم فهو أدب جماعي يقوم على صلة بين الراوي والجمهور من المستمعين، ويصل إلى كل الطبقات الاجتماعية بمختلف مستويات ثقافتها، فضلاً عن أن عنصر المشافهة فيه يجعل منه وجنس الحكاية فيه أدباً مرناً قابلاً للتعديل أو التغيير أو الحذف أو الإضافة أثناء حكيه.
وفي غضون العرض للأنواع السالفة الذكر من جنس الحكاية، تطرقت د/ آسية البوعلي إلى تبيان طبيعة تكوين كل منها، مع إيضاح أهم وظائفها مركزة على توضيح أن أنواع الحكايات انتقلت عبر العصور من هيئاتها الشفاهية إلى أشكال مدونة، وأصبحت تعتمد في كثير من ميادين الإبداع الحديثة: القصة القصيرة والرواية والمسرح والسينما … إلخ، وأن هذا الاعتماد لم يأت من باب الزخرفة النصية، ولكن بهدف التأكيد على دلالات معينة تتعلق أساساً بأسباب نشوء كل نوع من أنواع الحكاية، ووظيفة كل منها.
فمثلاً الأسطورة – أقدم أنواع الحكايات – حين تعتمد في نص أدبي حديث أيٍ كان نوعه، فإن ضمن دلالات الاعتماد التأكيد على تجاوز الزمن المادي والانتعاق من القيود التي تحد من معنى الوجود الإنساني، فضلاً عن محاولة تجاوز الحقيقة الفردية إلى الحقيقة الأسمى والأشمل.
والحكاية الخرافية – كنمط من أنماط التعبير الشعبي الرومانسي يهدف إلى الوصول بالبطل إلى الحياة الكاملة والنهاية السعيدة – حين توظف في نص حديث فضمن أغراض توظيفها إبراز التناقض الشديد بين الخيال والحقيقة؛ وبعبارة أخرى الفرق بين حياة بطل الحكاية الخرافية بكل ما فيها من يسر وجمال، ومصير مقدر له بالسعادة الكاملة منذ البداية، وبين الحياة الفعلية للإنسان في العالم الواقعي بكل ما فيها من بؤس ومعاناة ومدى احتياج هذا الإنسان إلى الكمال الكوني الذي يفتقده في عالمه، ومن ثم لجأ إلى تصويره في الحكاية آملاً بها تخطي الصعاب والآلام والشرور.
وبالنسبة للحكاية الشعبية فإن تضمينها في نص أدبي أو غير أدبي، يكون بغرض تحفيز القارئ أو المتلقي للوصول إلى المعرفة والحقيقة، وإيقاظها فيه بغرض التغيير من أجل الوصول إلى الأفضل، ولما كانت الحكاية الشعبية على صلة بحقائق واقعنا وبمشكلات حياتنا اليومية، فإن ضمن وظائفها عرض رأي وموقف الشعوب من مشكلات عصره سواء أكانت هذه المشكلات سياسية أو اجتماعية.
والسيرة الشعبية كنمط من أنماط الحكايات التي تمجد بطولة البطل الأوحد الذي تكونه الجموع، فإن توظيفها يكون لأغراض متعددة منها: التعبير عن مدى احتياج الشعوب لنموذج من البطل المثالي الذي تعلق على رقبته الآلام والآمال، فضلاً عن أن رحلة البطولة في صورتها المثالية هي في حد ذا تها تأكيد عن مدى احتياج الشعوب لنموذج البطل الذي يغير من أوضعها الاجتماعية، ويحقق لها القيم الإنسانية العليا كالحب والعدل والخير والحرية…
وأنهت د. آسية البوعلي المحاضرة مؤكدة على جدلية العلاقة بين الأدب الشعبي ومجالات الإبداع الحديثة، وأن توظيف هذا الأدب في نصوص إبداعية حديثة لهو خير دليل على استمرارية الصلة بين قديمنا وحديثنا.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

مع أشهر مفسري الأحلام

إنه الغد القريب أو البعيد .. الغائب المجهول الذي يجبذنا تجاهه بثنائية الشعور: الرغبة فيه والرهبة منه.. والمجهول دوماً منبع إرث لغيبيات تسكن دواخلنا.. قد ترسى بنا إلى منارة فكر أو متاهة جهل… بيد أن ذلك لا ينفى محاولتنا تنجيمه ولو عبر زمن مضى؛ (أمس) يحوي بشارة رؤيا أو فزاعة حلم.
ولما كانت الغيبيات تعد مورثاً.. يتيسر فك رموزه حين يكون على هيئة مادة .. ويتعسر إدراك مضمونه داخل زماكانية تشكل، له معناً بعينه.. فإن المعنى لا يَستنْبِط مكنونه سوى (شيخ فذ أو رجل أوحد) هكذا وصف.. ومن ثم كان الولع الجماهيري به.. ولع في قوته وكثافته يشكل منبتاً لتساؤلاتي الداخلية تُرى أنجومية هي من نوع جديد؟ وبعبارة أدق من نوع آخر.
بيني وبين ذاتي لم أكن قط من متيمي نجوم المشايخ، أو من المقتنعين بتحولات العصر الفجائية؛ (نجوم إلى شيوخ).. لا لشيء سوى ليقيني الراسخ أن الدين لم يكن ولن يكون مكسباً للتجارة أو حزمة ضوء مجانية لمزيد من الشهرة.. وفي ظل هيمنة ثقافة الأفواه، بين الأغلب الأعم من هؤلاء، وغياب منهاجية (إقرأ في كذا) التي يعد فعلها الأول أساس النص القرآني والشرع.. فضلاً عن أن هذا الفعل هو لبنة الفكر الإنساني في تكوينه الصحيح، كان اعتراضي لكل ساحة ترفع شعار اكتظاظ المواعظ.. وتضارب الآراء… واختلاف القص والفتوى دون مرجعية كتابية أو نصية تحترم فكر المشاهد أو السامع وتحيله إلى منابع ثقافية (دينية) قويمة، لاسيما إذا ما كان الأخير من الصفوة لا العوام.
بيد أن المشهد يختلف برمته في هذه المرة.. فلم يعد متابعة بلهاء من قبل الآخر.. بل سباقاً أو (ديناميكية تساؤلية وإستفسارية) إن جاز لي التعبير.. فضلاً عن أنه محاولة مستميتة لالتقاط خط هاتفي مشغول دوماً.. تُرى ما السر وراء هذا الولع الجماهيري؟ وأي جاذبية هذه التي تجعلهم في حالة تكتلية إزاء برنامج تلفزيوني يبث مساء كل خميس؟
ولكوني بشر يغزوني الفضول في مثل هذه المواقف قررت لبضعة ساعات أن أنسلخ من ثوبي الأكاديمي وأستبعد كل مدارس التحليل النفسي لدى (فرويد) أو (لكّان) أو (يونج) في تفسير الأحلام.. لأنصت إلى أسلوب في التفسير يختلف تماماً عما قرأته في علم النفس أو درسته في الأدب أو طبقته في التحليل أو النقد.. وفوق كل ذلك كان الهاجس ملحاً بداخلي لسبر أغوار الرجل أحقيقة هو أم وهم اختلقه الخيال؟ وعليه كانت دعوتي له للمحاورة حيث المكان منزلي بحي (جاردن سيتي) قلب مدينة القاهرة، والزمان العاشرة من صباح يوم الأربعاء الموافق الثاني عشر من شهر يناير 2005م، فكان هذا الحوار بيننا.

العنوان الرئيسي للموضوع
مع أشهر مفسري الأحلام
العناوين الجانبية:
* في ليلة واحدة رأيت سيدنا يوسف وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام.
* فسرت أول رؤيا وأنا في العاشرة من عمري.
* أتلقى في اليوم ستاً وثلاثين ألف مكالمة.
* كتاب ابن سيرين لا قيمة لمحتواه.
* تفسير الأحلام فراسة.
* ألم بالدماغ ينتابني أثناء التفسير.
* لست دجالاً ولا مشعوذاً.
* فسرت رؤى للساسة والحكام.
* صارحت علاء ولي الدين بالموت وبشرت أحمد زكي بالشفاء.
* رغبة لديّ في زيارة سلطنة عُمان.

* فضيلة الشيخ، رغم ما ورد عنكم إعلامياً، فإنني أود أن تعرِّف القارئ العُماني بذاتك.
– اسمي سيد حمدي أحمد إبراهيم.. عمري خمسة وأربعون عاماً، واعظ عام وعضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف. أنتمي إلى صعيد مصر، من قرية اسمها نجع سالم، مركز نجع حمادي، محافظة قنا، أي من (الصعيد الجواني) كما يطلقون عليه في اللهجة العامية المصرية. والمنطقة التي نبعتُ منها هي ذاتها منطقة الشيخ عبدالباسط عبدالصمد القارئ الشهير. وأنا من حفظة القرآن الكريم، نشِأت نشأة أزهرية. إذ درست بالأزهر وختمت القرآن الكريم ترتيلاً وتجويداً وأنا في العاشرة من عمري… استمرت دراستي بالأزهر حتى التحقت بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وعقب تخرجي عُينت مدرساً، لكن فضيلة الشيخ الشعراوي رفض ذلك فحولني من مدرس إلى واعظ عندما وجد فيَّ جوانب الوعظ وحفظ القرآن والدعوة والطلاقة والفصاحة والبلاغة. واستلمت العمل واعظاً بوزارة الأوقاف اعتباراً من 31/10/1987م. ومنذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا، لا زالت واعظاً عاماً بالأزهر الشريف.
* تعد الطفولة مرحلة حرجة في حياة الإنسان، فما هي الملامح الخاصة التي شكلت هذه المرحلة من حياتك ؟
– طفولتي – كما قلت – طبعاً كانت في صعيد مصر، حيث نشأت في أسرة فقيرة جداً، وفي بيئة ريفية بعيدة تماماً عن العِلم والثقافة والمعرفة. والقرية التي نشأت فيها أبسط من البساطة. ولكن حينما كنت صغيراً، أحببت الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، وكذا فضيلة الشيخ الشعراوي وغيرهما من العلماء، مما ولّد لديَّ حب العِلم والمعرفة. وثمة واقعة لا سبيل إلى نسيانها هي أنني حين بلغت العاشرة من عمري رأيت في المنام وفي ليلة واحدة رؤيتين: الأولى بها سيدنا يوسف عليه السلام، والثانية بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
* أود أن أعرف تفاصيل هاتين الرؤيتين، أم لديكم مانع ؟
– إطلاقاً… لقد رأيت في المنام سيدنا يوسف عليه السلام يعطيني كوباً من اللبن، فشربته، وسألته ما هذا، فأجابني إن هذا هو تفسير الرؤى والأحلام (1) . وبعدها رأيت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يعطيني كوباً من ماء زمزم فشربته، وما سألته وما سألني.
* من المؤكد أنك وأنت في سن العاشرة لم تكن قادراً على استيعاب جملة (هذا تفسير الرؤى والأحلام)، فما هي إذن المقدمات أو المواقف التي جعلتك بعد ذلك تفسر مضمون هذه الرؤيا ؟
– طبعاً لم أستوعبها وأنا في تلك المرحلة من العمر؛ إذ إن الأمور في ذلك الوقت لم تتبلور في ذهني بالدرجة التي أدرك معها أنني قادر على تفسير الرؤى والأحلام، ولكن الأمر الذي أتذكره جيداً أنني في الصباح قصصت الرؤيتين على أمي، فقالت لي: إنني أتذكر الآن؛ قد رأيت رؤيا ليلة زفافي على والدك، مفادها أن سيدنا يوسف عليه السلام أعطاني كوباً من اللبن وقال لي إعطه لإبنك، وكنت أنت أول مولود لي. وأخبرتني أنها لم تتذكر هذه الرؤيا إلا بعدما قصصت رؤياي عليها. وعقب هذا الحديث دخل علينا أحد أفراد عائلتنا بالصعيد… وسألني عن تفسير رؤيا رآها في منامه، مضمونها أن الرجل قد رأى حمامتين تفران عنده بالشقة، إحداهما وضعها في جيبه والأخرى فرت هاربة عبر النافذة، فقلت له: الأولى التي وضعتها في جيبك عبارة عن رزق (نقود) يأتيك اليوم. أما الثانية التي فرت من النافذة فتأويلها أن زوجتك ستنجب ابنة ستموت في نهاية العام.
* وهل حدث هذا فعلاً ؟
– نعم، ففي اليوم ذاته، تسلم الرجل مبلغاً من المال قدره خمسة آلاف ريال أرسله إليه ابن له يعمل بالسعودية. وفي نهاية العام أنجبت زوجة هذا الرجل بنتاً ثم ماتت البنت. وهذه كانت أول رؤيا أفسرها، ومنها كانت الانطلاقة؛ إذ بدأ الناس يعرفونني وينظرون إليَّ نظرة خاصة من منطلق أنني أفسر الرؤى والأحلام بالموهبة والنورانية والشفافية التي منَّ الله بها عليَّ. وبدأت جريدة (صوت قنا) والصحافة في (سوهاج) و(أسوان) تكتب عني.
وتم التركيز عليَّ باعتباري مفسراً نابغاً، مما حدا بالبعض إلى خلع بعض المسميات عليّ، فمنهم مَنْ قال إنني (ابن سيرين) ومنهم من قال إنني (يوسف عصره) وغيرها من الألقاب التي لم أستوعبها آنذاك.
* في مثل هذه المواقف يكون رد الفعل لدى الآخر أمر طبيعي ومألوف، ولكن ما أريد معرفته منك هو هل ثمة تغيرات نفسية تتمثل في مشاعر روحانية أو فيوضات نورانية بدأت تنتابك وتهيمن عليك داخلياً إثر رؤيتك لسيدنا يوسف وسيدنا محمد عليهما أفضل الصلاة وأتم السلام ؟
– من المؤكد أن شعوراً ما كان موجوداً بداخلي عقب هاتين الرؤيتين، ولكن الأمر الذي لا مراء فيه أنني في تلك المرحلة السنية لم تكن لديَّ القدرة على وصف أو استيعاب ما كان ينتابني. والإحساس الوحيد الذي أستطيع وصفه هو السعادة الكبيرة التي غمرتني، لاسيما حينما بشرتني أمي بأنني سأكون مفسراً للرؤى والأحلام، وأن شهرتي مستقبلاً ستكون كبيرة، ولن ينازعني أحد في هذا الأمر، وأن أحلامي ستتحقق. كلام أمي أسعدني كثيراً، رغم أنني في حينه لم أستوعب معناه ولا مقداره. كل ما أتذكره أنه كان ينتابني تعب في مؤخرة رأسي حينما يقص عليَّ أحد ما رؤياه، ولا يغادرني هذا التعب إلا بعد أن أنتهي من تفسيرها له.
* وهل هذا التعب لا يزال ينتابك حتى اليوم ؟
– نعم، حتى على الهواء مباشرة عبر جهاز التلفزيون في كل مرة أفسر فيها للسائلين… وحين يسأل أحد عن تفسير رؤيا معينة، فإنني أقسم هذه الرؤيا إلى رسائل وأعطيه الإجابة بصددها بالنورانية والموهبة. وأثناء القيام بهذه العملية يستمر التعب برأسي إلى أن أنتهي من التفسير.
* لاحظت من كلامك أنك تؤكد على لفظتي الرؤيا والحلم فهل ثمة فرق بينهما ؟
– نعم فالرؤيا من الرحمن والحلم من الشيطان كما قال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام في الحديث الصحيح. والرؤيا من الرحمن وهي ما دلت على خير مثل رؤية النبي عليه الصلاة والسلام أو رؤية القمر أو رؤية العسل أو شربه أو الطيران في الهواء أو أكل الفواكه، ولكن ليس كل الفواكه كل ذلك بالطبع أثناء النوم… وبإيجاز فإن الأشياء الجميلة التي تبشر الإنسان بالخير تعتبر رؤى. أما بالنسبة للأحلام فهي من الشيطان. فما جاء منها كالذئب والحيات والعقارب وكل ما هو ضار بالإنسان، لكن جرى العرف أن يخلط عوام الناس بين الرؤى والأحلام من منطلق أن المرء يراهما في المنام.
* من البديهي بعد أن يجتاز المرء مرحلة الطفولة، أن يسعى إلى تنمية معارفه ومداركه بالاطلاع، فهل بحثت في مرحلة سنية – أكثر تقدماً ونضجاً – عن موقف الشريعة من تفسير الرؤى والأحلام ؟
– لا أخفيك القول أنني لم أبحث في مرحلة الطفولة ولا الإعدادية ولا الثانوية ولا الجامعة ولا حتى بعد التخرج، ولكن بعد أن فسرت رؤى لمسؤولين من الرؤساء والحكام والأمراء، فضلاً عن مشاهير الفنانين عموماً، وتحققت رؤاهم، الأمر الذي زادني ثقة في نفسي، بدأت أبحث فوجدت أن تفسير الرؤى والأحلام أمر شرعي من الكتاب والسنة، متفق عليه بين الأئمة وموجود له سند وأصول وثوابت عند الأقدمين والمحدثين.
* سمعت منك مراراً عبر إحدى القنوات الفضائية ما تقره الآن من وجود هذه الأصول والثوابت، لكن أود أن تسوق للقارئ نماذج منها.
– من الناحية الشرعية، نجد أن القرآن أقر – في سورة يوسف عليه السلام – تفسير الرؤيا، فإذا ما نظرنا في هذه السورة، وجدنا أنها تبدأ برؤيا وتنتهي بتحققها بعد أربعين سنة، فالآية الرابعة صريحة وواضحة في هذا الأمر (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إلى رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)، فأراد سيدنا يعقوب عليه السلام أن يفسر لابنه يوسف رؤياه، فقال له في الآية التالية لها (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً…) ومفاد الآية أنه يعلم مضمون هذه الرؤيا… وقوله (فكيدوا لك كيداً) ينسحب على المستقبل لأن وجود الفعل في صيغة المضارع يفيد الآنية والمستقبل معاً. والآية السادسة مفادها أن يعقوب عليه السلام يفك الرموز ويقرأ المستقبل ومن ثم يعرف أن إخوة يوسف سيكيدون له وأن الله سيجتبيه وهذا ما تحقق فعلاً بعد أربعين سنة، إذ خر له إخوته سجداً وكذلك أبواه ثم رفع سيدنا يوسف عليه السلام أبويه على العرش قائلاً (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً) كما ورد في الآية رقم (100) من السورة ذاتها. وموضوع تصديق الرؤيا قد حدث من قبل مع سيدنا إبراهيم جد سيدنا يوسف عليهما السلام وهو ما ورد في سورة الصافات (الآية 102-105).
* عفواً، كل ما ذكرته معروف وثابت في القرآن الكريم، ولكن ما يهمني هو الوقوف على الأسانيد الأخرى في هذا المجال، وأعني بذلك الأحاديث النبوية الشريفة وفقه الأئمة والقياس والإجماع… إلخ.
– ورد في حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر حوّل وجهه إلى الناس وقال: من رأى منكم رؤيا فليقصها عليَّ. فالنبي صلى الله عليه وسلم بهذا أجاز القص، بمعنى أن الإنسان إذا رأى رؤيا، عليه أن يسأل عن تفسيرها. وقد ورد في حديث آخر أن الرؤيا معلقة في رجل طائر فإذا فُسرت وقعت في رواية أخرى إذا عٌبرت. وفي حديث ثالث قال صلى الله عليه وسلم: إذا رأى أحدكم رؤيا، فلا يقصها إلا على عالم أو ناصح. وهذا الحديث موجود في كتاب شرح السنة المجلد الثاني عشر.
كما كان هناك مفسرون من الأئمة والأعلام مثل ابن سيرين وهو من أئمة تفسير القرآن والإمام ابن شاهين وأيضاً أبو سعيد الواعظ وسيدنا جعفر الصادق والإمام الكرماني وجابر المغربي، وجميعهم فسروا الرؤى والأحلام وأجادوا. ولو رأى هؤلاء في هذا النوع من التفسير أية غضاضة أو شبهة أو منكر أو بدعة، ما فسروا. ومعنى أنهم فسروا، فإن الأمر جائز.
كما يوجد في العصر الحديث من أجاد تفسير الرؤى والأحلام مثل الشيخ الشعراوي، والدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور عبدالحليم محمود.
* فضيلة الشيخ، إنكم تسردون قائمة مطولة بأسماء مفسري الأحلام والرؤى قديماً وحديثاً، فهل تعني بذلك أن لكل منهم مؤلفات متخصصة على غرار كتاب ابن سيرين في تفسير الأحلام ؟
– هناك من له كتب مستقلة، ومنهم ابن سيرين كما ذكرت، وكذا أبو سعيد الواعظ، والشيخ عبدالغني النابلسي في كتابه (تعطير الأنام في تفسير الأحلام) المختصر لكتاب ابن سيرين، وكتاب جابر المغربي، وكتب أخرى ككتاب (الدستور)، وكتاب (تعبير الرؤى).
وهناك باب مخصص في هذا الأمر في كل كتاب من كتب السنة الستة الصحيحة (البخاري- مسلم- الترمذي- أبو داود- النسائي- ابن ماجه).
أما في العصر الحديث، فهناك من ألف كتباً كاملة وهناك من له فتاوى محدودة مضمنة في كتب مثل الشيخ الشعراوي والدكتور عبدالحليم محمود والدكتور أحمد عمر هاشم والدكتور عبدالله شحاته.
* لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: رغم ما ذكرته فضيلتكم من قائمة مطولة لكتب تفسير الأحلام، لماذا يظل كتاب ابن سيرين المعنون بـ (منتخب الكلام في تفسير الأحلام) بالذات هو الأكثر شهرة وتداولاً، لاسيما بين العوام ؟ وهل يستمد الكتاب شهرته من طبيعة محتوياته في اعتمادها على أصول مرجعية عقائدية وشعبية و أدبية… إلخ، بحيث أصبح الكتاب موضوعاً لكثير من الدراسات شرحاً أو تحقيقاً أو اختصاراً؟
– في حقيقة الأمر، هناك كتب أكثر قيمة من كتاب ابن سيرين، وإن لم تنل ما ناله هذا الكتاب من الشهرة، لأن أصحابها لم تهيء لهم الظروف التاريخية والحياتية من الاحتكاك أو القرب من الحكام والأمراء وغيرهم من المشاهير، وذلك على النقيض من ابن سيرين الذي ذاع صيته بعد تفسيره لرؤى وأحلام بعض حكام عصره وأمرائه، وتحققها وفق تفسيره، الأمر الذي يعني بالنسبة لي أن القدر وحده هو الذي يرسم حظ الإنسان في الحياة، كما هو الموقف بالنسبة لي. فقد ذاعت شهرتي وعرفني الناس نتيجة لتسليط الأضواء عليَّ من خلال ظهوري على القنوات الفضائية، فضلاً عن تفسيري لرؤى الرؤساء والحكام والمشاهير عموماً. فربما يوجد من هو أجدر مني في هذا الأمر، لكنه مغمور لأن الحظ لم يحالفه.
* أتعني ما تقول: أم أنه تواضع منك ؟ لأنني قرأت في بعض الصحف المصرية عنواناً يقر بأنك أكفأ مفسري الأحلام والرؤى في العصر الحديث ليس على مستوى مصر فحسب، بل على مستوى الشرق الأوسط، فضلاً عن تزكية بعض أئمة وعلماء الأزهر وتأييدهم لك على شاشات التلفاز مثل الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ علم الحديث والشيخ منصور عبيد الرفاعي وكيل أول وزارة الأوقاف والدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذ الشريعة والدكتور جمال ماضي أبو العزايم أستاذ الطب النفسي.
– أشكر كل من زكاني، لكنني لا أستطيع أن أزكي نفسي، لأنني على يقين أنني بشر وأن القدر يلعب دوراً كبيراً في حياتناً.
* كثيراً ما نقرأ في مقدمات الكتب التي تتناول تفسير الرؤى والأحلام، عن مسألة التوقيت ومدلولات هذا التوقيت، فهل يعني هذا أن لكل توقيت مغزاه في التفسير؟ أو بعبارة أخرى هل تختلف رؤيا الصيف عن رؤيا الشتاء، ورؤيا السبت عن الخميس، ورؤيا الليل عن النهار… وهلم جراً؟
– أولاً: أود أن أؤكد أن تفسير الأحلام والرؤى فراسة وليس دراسة. قد تأتي الدراسة بعد الفراسة، وأعني بالفراسة: الموهبة والنورانية والشفافية التي يمن بها الله على المفسر أو المعبر فيتسنى له التفرقة بين رؤيا الصيف ورؤيا الشتاء، إذ من الصحيح أن تفسير الرؤيا والأحلام يختلف من وقت لآخر، ومن شخص لآخر بل أكثر من ذلك من بلد لآخر، وجميعها أمور ترجع بالدرجة الأولى إلى المفسر. وآية ذلك أن رجلاً ذهب إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وقال له: يا إمام رأيت نفسي أقطف سبعين ورقة من شجرة، فقال: سترتكب ذنباً وستجلد سبعين جلدة، وهو ما وقع فعلاً.
وبعدها تاب الرجل إلى الله وندم وأصبح عابداً ساجداً. وفي العام التالي رأى الرؤيا ذاتها، فذهب إلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وأخبره أنه رأى الرؤيا نفسها بأوصافها وأنه يخشى أن يُجلد مرة أخرى، فطمأنه قائلاً له: ستذهب إلى السوق وستربح سبعين ألف درهم، وهو ما تحقق للرجل بالفعل.
وعندما سُئل سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عن السر في ذلك رغم أن الرائي واحد والرؤيا واحدة متطابقة، أوضح أن الرجل حين أتاه في العام الأول كان ذلك إبان فصل الخريف حيث تتساقط الأوراق من الشجر، وعليه فسر الرؤيا بالذنب، أما في العام الثاني فقد أتاه الرجل في فصل الربيع حيث نمو الأوراق والشجر، فعبرها بالمكسب. ومفاد الكلام أنه صحيح تختلف الرؤيا من وقت لآخر ومن مكان لآخر ومن شخص لآخر، على حسب طبيعة هذا الشخص حاكماً كان أم محكوماً، إماماً أو مأموماً، صالحاً أو فاسقاً…
* هل تتضمن الرؤيا بعض الومضات أو الدلائل التي قد تكون مؤشراً على تحقق الرؤيا في توقيت بعينه كأن يكون المستقبل القريب أو البعيد أو اللحظة الآنية … إلخ؟
– في الحقيقة، هذا نادراً ما يحدث، فحين أفسر الرؤيا لا أحدد توقيتاً لتحققها، وإن كان هذا لا ينفي أنني حال تفسيري لبعض الرؤى أحس قلبياً أنها وشيكة التحقق، بيد أنني لا أستطيع أن أضع معياراً بعينه أو وصفاً محدداً يمكن استقاؤه من الرؤيا، لأنها كما قلت أشياء تُحس ولا تُوصف.
وأضرب مثالاً على ذلك أنه في إحدى حلقات البرنامج بالتلفزيون، اتصل بي شخص يريد تفسير رؤياه ومضمونها أن السائل رأى في منامه أخاه الميت يقود سيارة ويرجع بها إلى الخلف فدهس نخلة فسقطت. فاعتذرتُ عن التفسير على الهواء من منظور أنها رؤيا خاصة، وطلبت من الرجل أن يتصل بي في منزلي بعد يومين، لعلمي أن رؤيته ستحقق خلال اليومين. وسر امتناعي عن التفسير الفوري هو إشفاقي عليه من هول الصدمة. وبالفعل اتصل بي هذا الشخص بعد يومين وأخبرني بأنه قد وقع بالفعل ما أحجمت عن إخباره به وهو موت أخيه الآخر في حادث سير أليم.
* تُرى ما المؤشر في هذه الرؤيا الذي يفيد أن تحققها وشيك ؟ هل هو وجود الأخ الميت الذي يقود السيارة، أم السيارة ذاتها أم سرعتها أم وقوع النخلة ؟
– أستطيع القول أن وقوع النخلة في هذه الرؤيا بالذات بالنسبة للشخص الذي حدثني، تدلل على أن موت أخيه وشيك الحدوث.
* رغم ما قد ترمز إليه النخلة من دلالات القدم والأصالة والامتداد … إلخ !!!
– قد تكون بهذه الدلالات في رؤيا أخرى ولشخص آخر.
* أفهم من ذلك أنه بمقدورك معرفة سمات من يحدثك دون أن تراه !!!
– نعم، أستطيع من خلال نبرات الصوت تحديد هوية صاحبه وما إذا كان متزوجاً أم لا، عنده أولاد أم لا، خيراً أم شريراً، صاحب منصب أم من العوام. وليس هذا بمستغرب؛ إذ يوجد سند شرعي وهو قول الحق تبارك وتعالى في سورة فاطر (يزيد في الخلق ما يشاء) فمن الناس من زاده الله مالاً أو جمالاً أو ولداً أو بسطة في العِلم والجسم أو بسطة في معرفة علم الأصوات وفي معرفة أصول البشر من سيماهم.. ومعنى هذا أنني من خلال الرؤية أستطيع تحديد شخصية الإنسان كاملة، وكذلك من صوته عبر الهاتف دون رؤيته مصداقاً لقول الشاعر:
قلوب العارفين لها عيون        ترى ما لا يراه الناظرون
وعليه فإنني أؤكد مرة أخرى الإشكالية في تفسير الرؤى؛ إذ إن سقوط النخلة في السياق السابق يفيد موت أخي الرجل، بيد أن النخلة قد تعنى دلالة أخرى في رؤيا أخرى، وتوكيداً لما أقوله هو أن رجلاً ذهب إلى أبي سعيد الواعظ وقال له: رأيت في المنام أنني أستحم في بحر، فسأله عن طبيعة عمله فقال الرجل لماذا؟ فرد عليه أبو سعيد قائلاً: لأنه إذا كان من يستحم في البحر حاكماً، ازداد حكمه، وإذا كان تاجراً ازدادت تجارته، وإن كان عالماً ازداد علمه، وإن كان فاسقاً تاب إلى الله، وإن كان من أهل العوام منَّ الله عليه بشيء يريده في نفسه أو يرغبه.
* رغم كل الأدلة والقرائن التي تجيز تفسير لرؤى والأحلام، ألا تخشى أن يتهمك البعض بادعائك معرفة الغيب ؟
– أنا لست دجالاً ولا مشعوذاً ولا ساحراً. والدليل على ذلك أنني لا أقول شيئاً من العدم، بل من خلال رؤيا أو حلم. وطالما أن الرؤيا وقعت مناماً، فإنها بذلك تعد غيباً، والرائي يحتاج – بطبيعة الحال – إلى مَنْ يفسر له ما رآه. ومن هنا أجاز الشرع تفسير الرؤى والأحلام.
* لقد لفت انتباهي أنك في تفسيرك تلجأ إلى التعميم لا التخصيص، كأن تقول لمن يستفسر سيأتيك رزق أو خير دون تحديد لنوعية أو ماهية هذا الرزق أو ذاك الخير، فما تعليقك ؟
– بمقدوري تحديد نوعية الرزق أو ماهية الخير الذي سيصيب الإنسان، بيد أن الوقت المحدد للبرنامج التلفزيوني لا يسمح بالاستفاضة، ناهيكِ عن كثافة عدد المكالمات التي أتلقاها أثناء البرنامج أو خارجه.
* ما تعليقك على جملة والله أعلم التي تختم بها تفسيرك لكل حلم أو رؤيا ؟
– تفسير الأحلام والرؤى يُعد نوعاً من الفتوى. والعالم أو المفتي عندما يُسأل في فتوى بخصوص الزواج أو الطلاق أو البيوع أو المعاملات… إلخ، يقول في نهاية فتواه (الله أعلم) رغم يقينه نظراً لاستناده إلى نصوص شرعية، لكنه ينسب الفضل إلى الله تبارك وتعالى القائل في سورة يوسف (وفوق كل ذي علم عليم). وحين أقول (الله أعلم) فإنني أسند العِلم لله سبحانه وتعالى حتى لا يأخذني الغرور والكبرياء ولكيلا يدخل إليَّ الشيطان وينفخ فيَّ الغرور بأنني أعلم وأعرف وأفهم.. ومن ثم فإنني أسند الأمور إلى خالقي. فكما يقول الشاعر:
وقل لمن يدّعي في العِلم معرفة        تعلمت شيئاً وغابت عنك أشياء
* ثمة أمر لفت انتباهي وهو تحذيرك الدائم للمشاهدين من قراءة كتب تفاسير الأحلام، ألا تخشى أن يفهمك الآخر على أنك تحاول الاستحواذ على نجومية من نوع خاص، لاسيما وأننا نعيش في زمن لا تقتصر فيه النجومية على مشاهير الفنانين، بل امتدت إلى الشيوخ؟
– تحذيري نابع من أنني لا أخاطب فئة بعينها كفئة المثقفين مثلاً، بل أخاطب السواد الأعظم من البشر وكتب تفاسير الأحلام تتسم بتعدد وتنوع وتضارب دلالات الكلمة الواحدة، وعليه أخشى ألا يهتدى الشخص العادي إلى المدلول الصحيح لفحوى رؤياه وتختلط عليه المعاني. ولذلك أرى أن تحذيري للناس أمر في صالح الناس لأنني أود ألا يغلقوا عقولهم على دلالات قد تكون منبع قلق أو خوف لهم.
* كل الاحترام لرأي فضيلتكم، إلا أنني أخالفك الرأي، فالقراءة من وجهة نظري الأكاديمية البحتة تمثل زاداً فكرياً لا سبيل إلى إجهاضه أو إيقافه تحت أي بند أو ظرف، والقارئ لاسيما من الخواص، يتسنى له التوصل إلى تأويل رؤياه إلى حد ما، من خلال ربطه الدلالات المستوحاة من سياق الرؤيا وملابساتها بسماته الشخصية ووضعه الاجتماعي فضلاً عن الأشياء الأخرى التي أشرت إليها.
– نعم، قد يصل إلى تأويل جزئي، إلا أن التأويل الكامل يحتاج إلى مفسر أو معبر يتسم بالفراسة والشفافية، وأنا لا زلت عند رأيي لأن الشريحة العامة من الناس ليس بمقدورها الاستنباط، ومن ثم لا أريد أن أفتح باباً للناس.
* ثمة أمر ملحوظ وهو أنك لا تفسر للشخص الواحد سوى رؤيا واحدة في آن واحد، فهل الواحدية هذه لها دلالة خاصة من وجهة نظركم ؟
– إطلاقاً. فكل ما في الأمر أنني أتلقى في اليوم الواحد مكالمات كثيرة حسبوها لي فوجدوها ستاً وثلاثين ألف مكالمة تأتيني من مختلف أنحاء العالم، وكما لاحظت قبل إجراء الحوار معكِ، لم تتوقف هواتفي المحمولة (النقالة) الثلاثة ثانية واحدة. ولولا أنني أغلقتها لما تمكنتُ من إجراء الحوار. وتفسيري لرؤيا واحدة راجع إلى رغبتي في إراحة أذني خاصة بعد تحذير الأطباء لي… ولإعطاء فرصة لأكبر عدد من السائلين. هذا فضلاً عن أنني بشر لي متطلباتي الحياتية الخاصة، فالأمر إذن يتعلق بكثافة المكالمات لا بماهية التفسير ذاته ولا بألواحدية.
* أرى في كلامك بعض التناقض.. أنت تقول إنك تسعى إلى إراحة نفسك، ومع ذلك تحمل ثلاثة هواتف، أليس في ذلك مدعاة لتقي مكالمات زيادة؟
– إنه أمر خارج عن إرادتي، فهاتف مخصص للتلفزيون وآخر للخواص وثالث للعامة.
* عفواً، اسمح لي أن نرجع ثانية للرؤيا المتضمنة لسقوط النخلة والتي أولتها بموت الرجل.. إنني استنبط من كلامك أنك تميل إلى أسلوب تلطيف المواقف أو بالأحرى تلطيف المعاني، فهل يعد هذا أسلوبك المعتاد في المواقف الموجعة ؟
– نعم، إنني ألطف المعاني من باب قوله تعالى (قولوا للناس حسناً)، ولكنني أوصل المعلومة كاملة بشكل أو بآخر، والدليل على ذلك أن صاحب الرؤيا قد لاحظ من نبرة صوتي أنني أحجب عنه شيئاً ما.
* لقد ذكرت في سياق كلامك أنك فسرت رؤى لبعض المسؤولين والمشاهير، فهل بإمكانك أن تضرب للقارئ أمثلة على ذلك ؟
– نعم، من المشاهير مثلاً، الفنان الراحل علاء ولي الدين، الذي كان صديقاً شخصياً لي. فقد روى لي – رحمة الله عليه – أنه رأى نفسه في المنام ممسكاً بعصا سيدنا سليمان والسوس والدود ينخر تحتها، ثم ما لبث أن وقع على الأرض، فقلت له يا علاء إنها هم وغم، وبعد مضي أسبوع اتصل بي، وقال لي إنه رأى الرؤيا نفسها وبالمشهد نفسه فكررت له نفس التفسير (هم وغم) والهم والغم هنا شيء عام. وبعد مضي أسبوع آخر اتصل بي هاتفياً من البرازيل حيث كان يصور فيلم (عربي تعريفه) وقال إنه رأى الرؤيا ذاتها وألح عليَّ في هذه المرة أن أفصل له ماهية الهم والغم، فأخبرته بكل صراحة أن هذه الرؤيا يتضح منها أنه ليس له حظ في الحياة بعد ذلك، فسألني هل هذا معناه أنه سيموت؟ فقلت له: نعم.
* أكانت لديك الشجاعة لتخبره بالحقيقة المروعة ؟!
– نعم، لأنه – كما قلتُ لكِ – كان صديقاً شخصياً وحميماً لي. والصداقة والأمانة يحتمان عليَّ مصارحته بالحقيقة حتى يتسنى له الاستعداد للرحيل، وكان أن قطع الرحلة وعاد إلى القاهرة، ونصحته بأن يذبح ذبيحة في يوم عيد الأضحى المبارك، وفعلاً ذبحها ثم ذهب إلى بيته ومات ولم يكن قد مضى على رؤيته التي رآها لأول مرة وموته سوى ثلاثة أسابيع.
* طبعاً، أنت صادق فيما تقول، ولكن الفنان الراحل علاء ولي الدين في ذمة الله، فهل لك أن تعطيني مثالاً آخر لشخص حي ؟
– الأمثلة كثيرة بالنسبة لمشاهير الفنانين، منهم الفنان أحمد زكي الذي أجمع الأطباء في أوروبا أن موته حتمي بعد إصابته بسرطان في الرئة. وحين عودته للقاهرة، دعاني إلى مستشفى دار الفؤاد وحكى لي رؤيا رآها في منامه فحواها أنه يطير في الهواء. وبعد حوار دار بيننا أكثر من ثلاث ساعات، طمأنته وقلت له ستشفى وستعود إلى الاستديوهات والتمثيل، فاستوقفني قائلاً، لكن الذين صرحوا بخطورة مرضى أطباء كبار، فقلت له أياً كان الأمر، فإن الله غالب على أمره.
* هل هذه هي الرؤيا الوحيدة للفنان أحمد زكي أم أن هناك رؤى أخرى ؟
– تلك كانت الرؤيا الوحيدة التي رآها هو، لكنني رأيت له رؤيا يعطيه فيها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كوباً من ماء زمزم، فبشرته بالشفاء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (ماء زمزم لما شُرب له) وهو ما حدث بالفعل؛ إذ مع مطلع عام 2005م عاد الفنان أحمد زكي إلى التمثيل لتصوير فيلم (حليم) عن حياة العندليب الأسمر.
* لقد أعطيتنا موقفين لمشاهير الفنانين، بيد أنك لم تذكر أية مواقف للساسة أو لكبار المسؤولين، فهل هذا تحفظ متعمد منك أم ماذا؟
– إطلاقاً. ومثالاً على ذلك الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة الله عليه، فقد فسرت له رؤيا رآها في منامه ومضمونها أنه رأى أنه يدعم طفلاً وأخذ الطفل للمستشفى ورأى أن قلب الطفل يُستخرج منه، وأن القلب مكتوب عليه (الله نور السموات والأرض)، ففسرت له هذه الرؤيا بنزول الغيث والخير في بلاده. ولم يفصل بين تفسير الرؤيا ونزول الغيث سوى ساعتين فقط، كما أنني فسرت رؤيا أخرى رآها شخص بخصوص توني بلير رئيس الوزراء البريطاني؛ إذ رأى الشخص أن نسراً يقف فوق رأس توني بلير على هيئة معينة (يتبول دماً). ففسرت الرؤيا بأنها بداية لضعف حزب العمال، وهو ما وقع بالفعل حيث خسر الحزب في الانتخابات. ورغم اعتزازي وفخري بأنني فسرت رؤى للمشاهير وكبار المسؤولين، فإنني أعتز كثيراً بالبسطاء الذين فسرت لهم رؤى وتحققت على نحو ما فسرت، فكثيراً ما يهتمون بالاتصال بي عبر شاشة التلفزيون لتأكيد ذلك.
* هل فسرت رؤى للعُمانيين ؟
– نعم، لكثير منهم، رجالاً ونساءً، عبر شاشة التلفزيون، لكن لا يحضرني الآن أمثلة كي أحكيها، وأنا أشعر أن ثمة توافقاً نفسياً بيني وبين الشعب العُماني لما لمسته فيه من تمسك بالشريعة والكتاب والسنة وهي مراجعي في التفسير، كما أنه شعب طيّب ومتحضر، وإنه لشرف عظيم لي أن أجري حواراً لأول مرة مع شخصية عُمانية على أرض مصر، وهو حوار رسّخ ما لديَّ من تصور أولي، عن المرأة العُمانية بأنها امرأة تتسم بالجدية وسعة المدارك والثقافة، الأمر الذي ولّد لدي رغبة ملحة في زيارة سلطنة عُمان.
* سؤال أخير: هل لديكم القدرة على تفسير رؤياكم الشخصية ؟
– نعم، والحمد لله.
…………………
(1)  لاحظ أن للرؤيا بقية، إذ فيها أُخبر الشيخ سيد بأنه يجب أن يقابل عمته (زهيرة). ويقول الشيخ سيد: أن حياةً أو واقعياً ليس له عمات على الإطلاق، عليه كاد أن يسقط الجملة من ذاكرته، لكنه حين كان في منتصف الثلاثينات من عمره سافر إلى (أبوظبي)، وهناك فوجىء بعد صلاة الفجر بإمراة لا يعرفها، تنهره نهراً شديداً خارج المسجد لأنه لم يذهب لزيارة عمته زهيرة.. ظن الشيخ لوهلةٍ بأن المرأة من مجاذيب الطريق بيد أن الجملة في الرؤيا قفزت نحو ذاكرته، ولم يعرف كيف يربط الموقف.. عاد بعد ذلك إلى القاهرة، وبعد فترةٍ غير طويلة أُرسل إلى المغرب واعظاً في أحد الجوامع وكان ذلك إبان شهر رمضان المبارك. ومرة أخرى يفاجىء برجل غريب بعد الصلاة خارج المسجد يخبره بأنه يجب أن يذهب لمقابلة عمته زهيرة، وفي هذه المرة منحه العنوان وعرّفه طريقة الوصول.. يقول الشيخ: أقلت حافلةً وسافرت خارج عاصمة المغرب في رحلة اقتربت من اثنتي عشرة ساعة حتى وصلت إلى بلدةٍ جبلية حيث قابلت العمة زهيرة؛ امرأةٌ تعدت التسعين من عمرها أخبرتني بأنها رأت سيدنا يوسف عليه السلام في المنام أكثر من ست وثلاثين مرة وأنها تفسر الرؤى والأحلام وقد كانت في انتظاري منذ أكثر من ثلاثين سنة حتى تسلمني عهد التفسير.. أعطتني كوباً من اللبن شربته وقضيت معها بقية اليوم. توفت العجوز بعد أقل من أسبوعين من لقائنا.
(لقد شعرت من الأمانة أن أنقل الواقعة كما حُكيت لي من قِبَل صاحبها وأترك الرأي للقارىء).

Posted in Uncategorized | Leave a comment

دراسة تحليلية للمضامين النفسية في رواية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحى

تمهيــد :
قبل الخوض فى تفاصيل هذه الدراسة من حيث دوافعها ومنهجها وطبيعتها , حرى بنا أن نلفت الانتباه إلى أن دراستنا التحليلية للمضامين النفسية فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى غير مسبوقة اللهم إلا من بضع تناولات اهتمت بتقديم أفكار عامة بصدد الرواية من حيث بنيتها وسردها ولغتها وأحداثها(1), لكنها لا تعد دراسات تحليلية بالمعنى الدقيق للكلمة , وهذا لا يقلل من شأنها ; إذ أفدنا منها فى دراستنا .
دوافع الدراسة :
إن رواية  ” الطواف حيث الجمر ” لبدرية الشحي(2), هى أول رواية لقاصّة عُمانية; إذ لم تسبقها كاتبة عُمانية أخرى فى الإنتاج الروائى . ولبدرية الشحى أكثر من ثلاثين قصة قصيرة منشورة منذ تموز / يوليو 1986م(3), بيد أنها غير مضمنة فى مجموعة قصصية . ويلزم التنويه إلى أننا لم نعثر على أية إشارة مرجعية لتلك القصص باستثناء ثلاث قصص : عرسها – البركان – هاتف الإنذار(4).
واختيارنا للرواية سالفة الذكر موضوعاً للدراسة , لا يكمن فى كونها أول رواية لقاصّة عُمانية فحسب , بل فى مضمونها ; طبيعة الحدث , بما فيه من تشكيل ما ضوى لصدى تاريخى عن وقوع المهجر العمانى الأفريقى . فالرواية تدور حول هروب (زهرة) الفتاة العُمانية ابنة الشيوخ التى تبلغ من العمر ثلاثين عاماً , من منطقة (نزوي) بسلطنة عمان إلى جزيرة (زنجبار) بجنوب شرق أفريقيا , بحثاً عن حبيبها (سالم) وهو ابن عمها , الذى تركها دون الزواج منها , ذاهباً إلى الجزيرة ذاتها ليتزوج من امرأة أفريقية . وتتلخص حبكة الرواية فى ازدراء (زهرة) للحياة التقليدية الرتيبة بمنطقة (نزوي) بما فيها من قهر للمرأة , وكذا فى رفضها الزواج من (عبد الله) ابن عمها الذى يصغرها سناً والذى خطبت له بعد أربعين يوماً من رحيل (سالم). ومن ثم هروبها إلى أفريقيا تاركة أهلها يتمرغون فى وحل العار والفضيحة اللذين ألبستهما إياهم ابنتهم الوحيدة(5).
إن ” زهرة ” فى الرواية هى الشخصية الرئيسية (البطلة) والعنصر المهيمن فى النص الروائى الذى ينظم العناصر الأخرى ويحددها , ويضمن تماسك البنية الفنية وتلاحمها. كما أنها شخصية ذات كثافة سيكولوجية , بما تنطوى عليه من صراع داخلى , يعكس أزمة نفسية تتمثل فى علاقة زهرة بذاتها وبالآخر. وتوجد شخصيات أخرى رئيسية مثل : النوخذة سلطان, البحار صالح , الحبيب سالم . أما بقية الشخصيات فهى شخصيات ثانوية أو هامشية مثل : ربيع , إلياس , كتمبو , كوزى وغيرهم .
ويقوم السرد فى رواية “الطـواف حيث الجمر” على مناجاة نفسية طويلة تعيشها ” زهرة ” خلال حدث الهرب, لدرجة أن هذه المناجاة تشكل لازمة فى الرواية , وتؤثر على الرؤية السردية , بجعلها رؤية داخلية , عبر مشاركة الذات الراوية وفعاليتها فى سياق الأحداث. والمناجاة ذاتها هى التى تشكل طبيعة علاقة زهرة بذاتها وبالآخر , إذ تصبح مثار جدل حول مدى هذه العلاقة وإشكالية تعقدها ودرجة غموضها وغرابتها. هذا فضلاً  عن أنها تبلور حالات التداعى النفسى التى تعبر عن فقدان ” زهرة ” تواصلها مع ذاتها أو مع الذوات الأخرى , فتجتر ما بداخلها من حالات شعورية ولا شعورية .
منهج الدراسة :
وحيث إن زهرة شخصية محورية ذات كثافة سيكولوجية , تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها سواء أكان صراعاً داخلياً أم خارجياً , وبالتالى تعد مفتاحاً أساسياً فى تحديد المضامين النفسية فى الرواية وكشف أيديولوجية النص , بالوقوف على مقومات هذه الشخصية وسبر أغوارها , وصولاً  إلى سماتها وأفكارها وانفعالاتها , فإن الكشف عن كل ما يمت بصلة للجانب الباطنى لهذه الشخصية هو الهدف الأساسى لهذه الدراسة .
من ثم , فإن دراستنا للمضامين النفسية لرواية  ” الطواف حيث الجمر”, سوف تستند إلى المنهجين النفسى والتأويلى , نظراً لوجود علاقة متبادلة بين الأدب وعلم النفس.
فسيجموند فرويد Sigmund Freud ، يرى أن النص الأدبى يعد مصدراً توجيهياً للتحليل النفسى , والطريقة القويمة فى فهم هذا التحليل , بما يزخر به النص من إبهام وتعقيد ومرجعية ذاتية غنية بالمعاني(6). كما يذهب إلى أن الذات (الأنا) تنقسم إلى: شعور ولا شعور ، وأن العمليات النفسية فيها تحوي النوعين . والشعور هو ما يتم بالعقل الواعي الذي يعبر به الشخص عن تقديره للأشياء كالأحكام الأخلاقية والدينية والسياسية ، وهذا النوع مكتسب من البيئة غالباً وبإقرار منها ، أما اللاشعور فهو عبارة عما يتم من عمليات أصلية في النفس البشرية تتمثل في الرغبات المكبوتة التي لم يسمح بها العقل الواعي أو البيئة الاجتماعية في أصلها الأصيل. وهذه الرغبات المكبوتة لا تندثر بل تظل تعمل في خفاء وتؤثر بطريقة خفية في سلوك الإنسان وموقفه من المثل والقيم على اختلاف أنواعها ، إذ تحتال للظهور على السطح في شكل قلق وخوف وحزن وفقدان ثقة(7).
والرواية، من منظور جاك لاكان Jacque Lacan ، هي ” موضوع من موضوعات الرغبـة، يتقلب في أشكـال عديـدة ” (8)، واللغة فيها ” إزاحة كنائية للرغبة”(9). من ثم تتبدى أهمية اتجاه (جاك لاكان) نحو القراءة التحليلية ، حيث ” إن ما يمكن قراءته ( وربما ما يجب قراءته) ليس المعنى ولكن الافتقار إلى المعنى ، إن الدلالة لا تكمن في الوعي ، لكنها تكمن بصورة خاصة في تمزقه “(10) ، الأمر الذي لا يتأتي إلا بمساءلة النص واستنطاقه.
من ثم فإن تحليلنا للمضامين النفسية في الرواية موضوع الدراسة سوف يعتمد على منهج فرويد في تحليل شخصية زهرة من حيث الشعور واللاشعور ، لا سيما في ارتباطهما بالعقدتين الأوديبية والنرجسية. ذلك أن الرواية في مجملها تمثل أزمة نفسية متعددة الأصوات وذات صلة في الوقت نفسه بقضايا اجتماعية وتاريخية وفكرية. كما أن منهج “لاكان” في اتخاذ مركزية اللغة أساساً لعمليات التحليل في النص الروائي ، من شأنه أن يساعدنا في إلقاء مزيد من الضوء على أبعاد الرواية بغية استكشاف التجربة النفسية وتفسير الدلالات الكامنة وراءها، والتي لا تتأتى إلا من خلال عملية التأويل للغة السرد.
الدراســــة (*) :
أولاً : الشعـور :
أ – الإحساس بالقلق :
لما كانت الكلمات في السرد الروائي ، علامات حية ، تعبر عن أكثر من معنى ، وتمس أكثر من دلالة ، الأمر الذي يلزمنا الوقوف على لحظة سردية هامة في رواية “الطواف حيث الجمر” ، وهي لحظة ” ميلاد زهرة ” بملابساتها النفسية والجسدية ، وبما تنطوي عليه هذه اللحظة من دلالة أساسية تتلخص في كلمة القلق . ذلك القلق الذي لا ينتاب الإنسان إلا حينما يعي وجوده وإمكانية تحطم هذا الوجود ، وبالتالي إحتمالية فقدان الإنسان نفسه وصيرورته إلى لا شيء(11).
فـ ” زهرة ” تبدو لنا في بداية الرواية ، مناجية نفسها ، ناظرة إلى المرآة ، لترى ذاتها ” إمرأة عانساً  ، تعدت الثلاثين “(12) ، وذات  شعيرات بيض(13). وعملية نظر زهرة إلى نفسها في المرآة تتكرر في أكثر من موضع في الرواية(14).
وبالرجوع إلى كلمة ” المرآة ” في النص الروائي ، نجد أنها قد تعدت دورها اللغوي من مجرد الإشارة إلى شيء محدد في العالم الخارجي إلى رمز قابل للتأويل ، يكوّن مبدأ بناءً وموضوعاً أساسياً للنص.
فالمرآة التي تنظر إليها زهرة تحوي – بما ينعكس على صفحتها من صورة زهرة – فعلاً مزدوج الدلالة ، إذ فيه تكمن عملية النقل الأمين لصورة زهرة كما هي عليه في الواقع ، بمواصفاتها الظاهرية على النحو الذي أظهرته العبارة السابقة ، كما تكمن فيه في الوقت ذاته عملية النقل غير الأمين أي الصورة المعكوسة لزهرة . وعملية الانعكاس ، بما فيها من فعل مزدوج ، تعد أساساً للإدراك الجدلي لدى الإنسان فيما يتعلق بصورته المرآوية التي تتيح له معرفة ذاته ” الأنا ” من خلال الأنا الأخرى ” صورته ” المنعكسة على صفحة المرآة. وهنا يكمن الإحساس بالذاتية والآخرية . ومن ثم يتبين أن ” علاقة الإنسان بالصورة سواء صورته هو نفسه أو صورة آخر غيره ، إنما هي علاقة جدلية قوامها الهوية والاختلاف، أو العينية والغيرية معاً “(15) ، على نحو ما يؤكده النص الروائي ؛ فزهرة ترى ذاتها امرأة عانساً تجاوزت الثلاثين من عمرها وقد اببيض شعرها. ثم هي في الوقت نفسه ترى الآخر من خلال مشاعرها إزاء الصورة المنعكسة أمامها على المرآة كما يتبدى في قولها ” امرأة أخرى تنظر لي ، امرأة ليست ذاتي وتكويني “(16)، ومن ثم تكره منظر جسدها في المرآة ، حيث تغير وجهها تماماً.
كما أن عملية انعكاس صورة زهرة في المرآة تؤكد فكرة وجودها الواقعي الملموس، ذلك أنه في عملية انعكاس صورة الإنسان على المرآة تحويل لهذه الصورة من الذاتية إلى الموضوعية ، بمعنى أن تصبح الذات موضوعاً خارجياً خاضعاً للتأمل والحكم والدراسة ، شأنه في ذلك شأن موضوع خارجي آخر(17). وهو ما تؤكده عبارة النص الروائي بما فيها من حكم تقييمي وتأملـي ، حين تعلل “زهرة” هروبها إلى أفريقيا بقولها : ” فأنا ما جئت على هذا المركب إلا بعد أن يئست من صورتي المشوهة في الجبل”(18).
والمرآة في حد ذاتها رمز للمعرفة ، بما تتضمنه من تحول داخلي لدى الإنسان ، يتمثل في وعيه بمعرفة ذاته ، حال رؤيته صورته المنعكسة . ذلك الوعي الناجم عن الرؤية الثاقبة والفكر السديد اللذين يتشكلان من خلال عملية الانعكاس Reflection ، بما فيها من سقوط للضوء على صفحة المرآة وارتداده مرة أخرى.
وهذه العملية تومىء إلى عملية تتضمن التأمل والتفكير ، بما ينطويان عليه من ارتداد العقل على نفسه من أجل إعادة النظر فيما يعقله ، فضلاً عن استخلاص العبر والفكر(19). وبذا تعد المرآة “وسيلة تغيير وتصحيح ، من أجل أن يرقى الإنسان ، سواء في معرفته أو في سلوكه ، إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع “(20).
فزهرة الناظرة لصورتها المنعكسة على صفحة المرآة يتولد لديها وعي بأن هذه الصورة مشوهة ، مما يدفعها إلى إعادة النظر في هذه الصورة وتأملها ، ومن ثم تقييم طبيعة حياتها (أي زهرة) التي تنطوي عليها هذه الصورة ، وهو ما يؤكده السرد الروائي عبر المناجاة الداخلية المتكررة ، ومنها قول زهرة ” أقضي يومي في دائرة مكررة ، لا جديد ولا حياة “(21).
وما أن تدرك زهرة هذه الصورة المشوهة ، ترفضها ، ومن ثم ترفض ألا تختلف وهي اليوم في الثلاثين عن طفلة الثالثة بالأمس . وتتبدى بوادر هذا الرفض الرامي إلى التغيير في رفضها الزواج من ” عبد الله ” ، ابن عمها ، الذي يصغرها سناً(22).
وإذا كانت المرآة رمزاً للمعرفة ، فإنها في الوقت نفسه رمز يرتبط بالموت أو الخوف منه ؛ حيث إنها تبطن جميع الدلالات المستوحاة من رمزية الماء فيما يتعلق بالموت وذلك بمرجعية خرافية(23). وأسطورية(24)، وشعبية(25) ، على اعتبار أن المياه “مرايا مجازية”، فضلاً عن كونها أول مرآة طبيعية في الوجود.
ولكي نصل إلى دلالة الموت وارتباطها برؤية زهرة لصورتها ، ينبغي أن نلفت النظر إلى أن اللحظة – التي ترى فيها زهرة نفسها في المرآة امرأة عانساً ، ذات شعيرات بيض ، بما في اللون الأبيض من إيحاء زمني وتعبير عن الحالة السيكولوجية لزهرة – هي اللحظة نفسها التي تشكل أيضاً نرجسية زهرة وإحساسها بذاتها ، من خلال مرآة مجازية أخرى هي العين التي تعد ” مرآة للروح أو النفس “(26) ، وهو ما يتبدى في العبارة الاستدراكية في مناجاة زهرة لذاتها وفي اللحظة ذاتها ، حين تقول : “مع أن وجهي ما يزال بهياً مخضباً وعيناي خضراوان حلوتان “(27) ، فالعبارة بما فيها من زمن مضارع دال على الاستمرارية، تؤكد دلالات الحيوية والجمال ، اللذين تبرزهما المفارقة الشكلية والدلالية بين لون الشعر (الأبيض) ولون العين (الأخضر)، وهي مفارقة تنطوي على ثنائية الموت والحياة ، والنهاية والبداية . والعين بلونها الأخضر ، بوصفها مرآة مجازية أو رمزية في العبارة سالفة الذكر ، تؤكد دلالات التحدي والثبات ، فضلاً عن الإشراف والجمال ، وهي دلالات ترتبط أساساً بالعين ، باعتبارها (رمزاً)(28) تلك الدلالات التي تتبدى في موضع آخر من الراوية، يومىء إلى نرجسية زهرة وإعجابها بجمالها ، حيث ترى عينيها ” جنة خضراء ” من خلال مرآة الآخر ، المتمثلة في عيون الآخرين(29).
وإذا كانت العين – فيما تقدم – مرآة مجازية ، تعكس نرجسية زهرة ، فإن هذه النرجسية – وفقاً للتفسير النفسي لأسطورة نرسيس – تكون مدعاة لإحساس زهرة بالهلاك والموت ، وهو ما يتبين من النص الروائي في اللحظة ذاتها ، حين ترى زهرة صورتها ” على لجين الماء مضببة وغامضة “(30)، الأمر الذي يؤكد لنا أن المياه مرايا سحرية تنكشف من خلالها خبايا النفس ، فهي ” وسيلة لمعرفة الذات ، وإن كانت معرفة آسرة ومهلكة لصاحبها “(31).
وهكذا يتبين لنا أن توظيف رمز (المرآة – العين – الماء) ، كان وسيلة زهرة في معرفتها ذاتها وإحساسها بهذه الذات وإدراكها لها ووعيها بها ، ومن ثم تأملها وإعادة النظر في نهج حياتها ، وبالتالي كان شعورها بالقلق وإحساسها بالموت والهلاك.
وإذا كان الهلاك قد تم استنباطه من الماء. باعتباره مرآة مجازية أو رمزية ، تعكس صورة زهرة بالمواصفات السابقة الذكر ، فإن السرد الروائي يؤكد ذلك الهلاك عبر مناجاة ذاتية متكررة ، تفصح عن مدى قلق زهرة على وجودها الحاضر (الآني) ، وإحساسها بانسلاخه منها، حيث تقول : ” لقد ضاع عمري عبثاً “(32).
ب – الإحساس بالكبت والقهر :
إن حاضر زهرة الزاخر بأحاسيس الهلاك والموت والشعور بالقلق على وجودها ، إنما هو امتداد لماضٍ مأساوي . والماضي هو ” الزمن الوحيد القابل للتذكر ، ومن ثم كان الزمن القابل للتأمل “(33). وبناء على ذلك رأينا من الأفضل أن نرصد بعضاً من تأملات زهرة عن ماضيها في مرحلة الطفولة ، من منطلق أن هذه المرحلة تعود بزهرة إلى التجارب الأولى ، وتعد قيمة أساسية بما فيها من أحداث ووقائع لها تأثيرها على نفسية زهرة بما تنطوي عليه من أحاسيس ومثيرات تحرك دوافع سلوكها وأفعالها في الحاضر والمستقبل. فضلاً عن أن هذه المرحلة تمثل بداية ارتباط زهرة بمجموعة من ” التابوات ” Taboos ، ويقصد بها المحظورات ” بحكم التقاليد من خلال السلطة العائلية والاجتماعية “(34)(*) كما تمثل بداية معاناتها صنوف القمع والقهر والكبت التي لازمت زهرة في مراحلها العمرية المختلفة.
ولما كانت ظاهرة القمع من ” أبرز الظواهر التي تعاني منها المجتمعات العربية ، وذلك على كافة الأصعدة وفي جميع المؤسسات الاجتماعية في الأسرة ، والمدرسة ، والحزب والمجتمع ، فهناك قمع أبوي ، ومجتمعي ، وسلطوي “(35) فإن الرواية تعكس هذه الظاهرة. فزهرة لا تنسى الصفعة الأولى في طفولتها من أخيها ” محمد ” بعد ما خدشته بأظافرها إثر وصفه إياها بالشاه ، ليس لأن الصفعة كانت ” ساخنة ومهينة ” ، بل لما تقوله هي : ” الشكوى لأبي مذلة “(36) كما لا تنسى توبيخ أمها لها حال استحمامها وهي طفلة، قائلة لها ” تستحمين مع الصبية ، وافضيحتاه ، أخ عليك “(37) فالموقف بما فيه من قمع لرغبات الطفولة وكبح لنزعاتها ، راسخ في ذاكرة زهرة ، تسترجعه دوماً بتفاصيله الدقيقة . كذلك تسترجع حرمانها من متعة وجودها في درس القرآن ، بدعوى أن أمها “تحتاج إلى من يساعدها في العجين”(38).
ولا تقف مشاهد كبت نزعات الطفولة لدى زهرة والتي تسترجعها عبر الذاكرة ، عند كبح الحركة الجسدية التي تعد أبسط صور الحرية ، بل تتجاوزها إلى فرض حاجز مادي ومعنوي بينها وبين الآخر ، متمثلاً في ” البرقع “(39) الذي أرغمت عليه في طور المراهقة.
والمشاهد السابقة تجسد ماضي زهرة في مرحلة الطفولة وبداية المراهقة ، وهو ماضي ” القسوة والتناقض والإهمال “(40) كما تتذكره زهرة ؛ ماضٍ أفرزته إحدى السلطات الاجتماعية متمثلة في سطوة الأب والأم، ومجموعة من المحظورات الاجتماعية (العادات والتقاليـد) التي تؤكـد زهرة رسوخها بوصفها إياها بـ “القوانين المرسومة رسماً “(41) ونظراً لأن زهرة عانت – ولا تزال – من وطأة هذه القوانيـن، فليس بمستغرب أن تصفها بأنها إرث لا يرحم ، مذل ، مريض ، معتوه ، وبغيض(42). ذلك أنه لم ينجم عن تلك القوانين سوى ذاتية ممزقة ، تائهة أسيرة الشعور بالذنب والخطيئة، لا هدف لها ينتابها شعور بالضياع وإحساس بالاغتـراب الذاتـي ، كما يتبدى من قول زهرة : ” إني بنفسي لا أعرف شيئاً عن نفسي “(43).
ولم يكن شباب زهرة أسعد حظاً من ماضيها ؛ إذ لم يتعد كونه حيزاً متكرراً لتعب جسدى ، تعبر هي عنه بقولها : ” أخدم كالبغل جيئةً وذهاباً ، أستيقظ فجراً ، ولا أتوقف حتى الليل “(44). وإذا كان كل ما سبق يمثل صورة واقعية لذاتية زهرة ، بما فيها من إحساس بالقمع والكبت والقهر ، فإن أركان هذه الصورة تكتمل بمواقف أخرى يتبدى فيها إحساس زهرة بالموت المعنوي(45)، الذي يعد أكثر إيلاماً من الموت الحقيقي (الجسدي)، كما يتبدى فيها الشعور بالخجل المفرط، فمن هذه المواقف تعثر زهرة في حوارها مع النواخذة ” سلطان ” إثر مغازلاته المتكررة لها ، وعقب إخباره لها بأنه ما نظر إلى امرأة إلا نال منها مأربه ، فتقول : “لم أعرف رداً ، كنت أتحدث للمرة الأولى في حديث محرم ، بأمر الموروث “(46).
وماضي زهرة ، بقوانينه الثابتة ، يظل يطارها في أماكن عدة(47). حتى أنها ، بعد هروبها ووصولها إلى أفريقيا وبلوغها قمة السعادة والمال والسلطة ، تقول : “الماضي وحده ثقيل …, يضغط على أنفاسى , يخنقـنى خنقـاً …, جاء … ليذكرنى بأنى شريدة بائسة” (48).
وهذا الماضى الذى يتربص بزهرة ويخيفها , يتمثل لها فى حالات اليقظة فى صور شتي, فقد يأتى على هيئة ” خنجر” مميت(49), أو فى صورة ” منجل أو شفرة سكين”(50) أو فى شكل  ” شبح ” مخيف(51).
إن حالات القمع والكبت التى تزخر بها طفولة زهرة ومراهقتها , واستمرار نظائر هذه الحالات فى مرحلة شبابها, دليل على الظلم الاجتماعى وغياب العدل وموت الحرية وقيم الجمال , كما تكشف تلك الحالات من خلال ما توحى به من دلالات معينة أبرزها: (الخطيئة – الذنب – العار – الخجل – العيب) عن أيديولوجية خاصة بمجتمع معين تجاه المرأة ووضعها , وهو ما تؤكده لنا المقارنات التى تعقدها زهرة بينها وبين الآخر والتى تفصح عن إحساسها بالدونية والقزمية .
جـ – الإحساس بالدونية والقزمية :     وذاتية زهرة الضائعة , الحافلة ” بالمتناقضات “, ومن ثم لا تملك ” مصوغات الحقيقة”(52), هى ذاتها التى تقع فريسة مقارنات بينها وبين الآخر . تلك المقارنات التى تأتى من منظور داخلى (ذاتي), مما يجعلنا نتساءل : إلى أى مدى تبدو لنا رؤية زهرة لذاتيتها الخاصة على حقيقتها دون مواربة أو أقنعة? وكيف تفصح هذه المقارنات عن العلاقة المرآوية بين (الأنا) أى زهرة وبين (الآخر)? وهل هذه المقارنات ذاتها هى التى تدفع زهرة إلى خلق واقع آخر بداخلها , يعبر عن أيديولوجيتها المتولدة عن ضرورتها النفسية , ومدى معايشة زهرة لهذا الواقع وكأنه حقيقة?
فزهرة تسترجع فى شبابها إحساسها بالذل والعدمية , من جراء التفرقة فى المعاملة بينها وبين أخيها محمد من قبل أبيها , إذ كان يعاملها بقسوة مفرطة فى الوقت الذى يحنو فيه على أخيها, وهو مشهد تسترجعه زهرة دوماً(53), حتى بات إطاراً نفسياً خانقاً لها , لا سيما وأن القسوة لم تكن من جانب الأب فحسب , بل من الأم أيضاً (54) .
وليس أدل على إحساس زهرة بالذل والعدمية من ملابسات موقف بلوغها الحلم, حين صورته الأم برمته ” موتا “, بينما لم يكن ” التهويل ذاته ” عندما بلغ إخوتها الحلم, إذ “كانت النظرة مهووسة بالكبرياء , نظرة تحمل مئات الزغاريد (ومن ثم تستطرد قائلة) وإخوتى لم يكونوا مطأطئ الرأس كما كنت , كانوا فخورين, رجال يضربهم أبى بزهو على ظهورهم وتتلقاهم أمى بالود والبشاشة”(55).
واستناداً إلى اتجاه ” جاك لاكان ” فى عملية التحليل والتعامل مع لغة السرد من حيث إن ما يقتضى التحليل فى النص ليس المقروء المفهوم , وإنما الخفى وتأثيراته (56) , نقول إن معاناة زهرة النفسية لم تبرزها طبيعة المواقف , التى تتجلى فيها صور التفرقة فى المعاملة , ولغة السرد فحسب , بل المفارقة المضمنة فيها والتى تُستشف حال الرجوع إلى تلك المواقف فى الرواية , حيث تنبثق من هذه المفارقة ثنائيات تتمثل فى : القبح والجمال , العبوس والابتسام , القسوة والحنان , الخوف والأمان , الألم واللذة , التعب والراحة , القمع والحرية , الذل والكبرياء , العبودية والسيادة .
والمفارقة المنبثقة عنها هذه الثنائيات , تتضمن نفى أرقى القيم الجمالية الإنسانية وأسماها لدى زهرة وهى الحرية بكل أنواعها . وليس أدل على ذلك من رؤية زهرة – بعد ظنها أنها نالت حريتها – مشهد طفلة فى إحدى غابات أفريقيا , إذ تقول واصفة إياها ومقارنة بينها وبين نفسها حال طفولتها : ” هذه الطفلة العارية الساقين, الراكضة بحرية… ما كنت أعرف أن أركض بحرية مثلما تفعل هى بلا رقيب , تتعارك فى التراب , وتشد شعورهم (أى الأطفال) ضاحكة , ما جرؤت على (مثل هذا) …, كنت ابنة شيوخ غير كل البنات”(57).
والمشهد برمته لا يعود بزهرة إلى تداعيات الطفولة بكل ما فيها من إحساس بالاغتراب الذاتى زمانياً ومكانياً , ومن قيود مادية ومعنوية أو جسدية ونفسية فحسب, بل إنه يتجاوز كل ذلك إلى تأكيد انتفاء الحرية مع السيادة كانتفاء المثال مع الواقع (ابنة شيوخ!), فالسيادة تحول الحرية من قيمة جمالية إلى قبح (عار وعيب).
وتتواصل المقارنات بين (الأنا) ” أى زهرة , والآخر , لتشعر زهرة بالقزمية والدونية, ففى حين ترى زهرة نفسها مخلوقاً ” ناقصاً “, ” فتاة حمقاء “, ” بلهاء “, “مجنونة”, ” فارغة “, ” جارية “, ” مهضومة الحق “, ” جمالها بارد “, لا تستطيع أن تنفى فى قرارة نفسها حقيقة أن المرأة ” الأفريقية السوداء “, ذات ” الأنف الأفطس”, التى أحبها سالم هى ” الأسمى والأقوي “, وهى ” الأسطورة “, وهى ” امرأة من طراز آخر” “الأميرة”, ” سارقة الأحلام “. وهذه الحقيقة, رغم أنها مثار إيلام لزهرة, فإنها تقف دليلاً  على قناعتها الداخلية بحب سالم لهذه المرأة وركضه خلفها حتى ولو جلبت له الموت , لأنها تماثل ” المستحيل” (58).
ولا تقتصر المقارنة بين زهرة والآخر على ما هو معنوى , بل تمتد إلى ما هو حسى; جسدى , لتؤكد هيمنة الإحساس بالدونية والقزمية داخل زهرة , فى مقابل سمو الآخر , فحين تقارن نفسها بنساء أفريقيا , تقر قائلة ” بجانبهن كنت أشبه بعود قش أجرب , كن يتمتعن بسمنة ناعمة محببة “(59).
وجدير بالذكر أن المقارنات الجسدية بين زهرة والآخر , بكل ما فيها من تباين , لم تبرز الفروق الجمالية الظاهرية بين الطرفين فحسب , بل اتضح من ثناياها الفروق الأيديولوجية بين المجتمعين (العربى والأفريقي); إذ أكدت افتقار زهرة العُمانية إلى مقومات إغراء الرجل وأن هذا الافتقار مرده أن الغزل المفضوح فى مجتمعها , كان – ولا يزال – “عاراً “, فى حين أنه فى المجتمع الأفريقى أمر مباح لا يستحق الاهتمام , ليس هذا فحسب, بل إنه من الأمور الحياتية الأولية(60).
والاختلاف الأيديولوجى بين مجتمع زهرة (العربي) ومجتمع الآخر (الأفريقي) لا يظهر الكبت فى الأول والحرية فى الثانى فحسب , بل إنه يبرز مدى تبلد المشاعر الرومانسية لدى زهرة التى تعلل ذلك بأن ” الحب عمره ما كان يتخطى مفهومه السائد المضبب فى تقاليدنا, مثل العيب والعار “(61).
ومما تقدم , يتضح لنا المدى الذى يلعبه الوصف فى السرد الروائى عبر مقارنة زهرة ذاتها بالآخر – سواء وردت المقارنة فى سياق موقف أو فى ثنايا مشهد أو فى تعبير مجازى أو بإشارة إلى المظهر الخارجى (الجسدي) – دوراً اختراقياً , بمعنى أنه لم يقدم بنى صفاتية للموصوف فحسب , وإنما نفذ إلى العوالم الباطنية ليكشف عن معانٍ  نفسية , فضلاً  عن أيديولوجية بعينها .
وإذا كان الإحساس بالقلق والكبت والقهر والدونية والقزمية خصائص لصيقة بالجانب الشعورى لشخصية زهرة بحيث تُبدى صورة واضحة المعالم لذاتيها فإنه , لكى تكتمل الصورة , ينبغى البحث عن صورة الآخر – فرداً كان أم جماعة- المتمثلة فى مجموعة الصفات والخصائص التى تنسبها الذات للآخر , والمسئولة إلى حد كبير عن علاقات الذات مع الآخر , ونظرتها إليه , وكذا نظرتها أيضاً إلى نفسها فى ضوء هذه العلاقات(62).
صورة الآخر :
ولما كانت صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء , قد تبدت لها غامضة ومضببة, واستناداً إلى النظرية القائلة بأن “الماء ليس فقط مرآة الذات الوحيدة الوجدانية , أسيرة نفسها, وإنما أيضاً مرآة الكون كله والعالم بأسره” (63), وكذا إلى إمكانية اتخاذ الماء ” رمزاً لإمكانية إدراك الإنسان نفسه فى آخر غيره ، حتى لو كان صورته التى هى أول آخر بالنسبة إليه , أو على الأدق : أنا آخر “(64), فإن البحث عن صورة هذا الآخر يرمى إلى الإجابة عما يلى : إلى أى مدى تعد هذه الصورة امتداداً لصورة زهرة عبر علاقتى التماثل والتباين ? وإلى أى مدى يعد تكرار هذه الصورة , عبر أى من العلاقتين , تأكيداً لها؟
ولكى نصل إلى صورة هذا الآخر , ينبغى أن نلفت النظر إلى أننا لن نعرض لشخصيات الرواية من حيث تقسيمها إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية ; إذ لا يتسع المجال لذلك , كما أن هذا التقسيم لا يعنينا قدر عنايتنا بالتقسيم من حيث الجنس (نساء – رجال) , وهو تقسيم يتمثل فى نموذجين عامّين ترصدهما زهرة , أحدهما للمرأة والآخر للرجل . ذلك أن هذين النموذجين يساعدان بشكل أقوى فى إبراز ما فى النص الروائى من دلالات وإثبات كيف أن كل نموذج منهما ينسحب على الجنس الخاص به فى شخصيات الرواية .
إن صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء مضببة وغامضة , لا تمثل رؤية زهرة لذاتها فحسب , بل لذوات أخريات تماثلها , كما يتبدى فى قولها : ” كم شبح هناك يشبهنى , يتخبط بالوهم وبالقهر ! “(65), فـ ” المرأة هى المرأة … طفلة وامرأة وعجوز, تصنع كل شيء , ويقع على عاتقها كل المسئوليات , ولا يبدو أنها تعرف كيف تتذمر , أو كيف تفر فى مركب يخلصها من ناسها وأهلها وعمرها الماضى “(66), وتعانى ” أكاذيب الشوق والفرح , أكاذيب العذاب والاغتراب”(67), و ” تذوب قهراً وغيرة وليس بيدها غير صبر واه “(68), ومن ثم تقر زهرة ” أنا , وربما الكثيرات معى, سنظل دائماً على يقين بأننا لا نملك قوة السيادة ” (69) , الأمر الذى يؤكده الحدث الروائى عبر مناجاة زهرة ذاتها ؛ إذ تبرز هذه المناجاة صورة الآخر (الشخصيات النسائية) فى عينيْ  زهرة , حيث يقع هذا الآخر تحت وطأة الظلم والذل والقمع والهـوان . ويتمثل فى شخصيات : ( ” أم زهرة ” و” ريا بنت شهاب” “ومريم” و”غنية” “و ” فضيلة ” و” منيرة “)(70).
وهكذا يتبين لنا أن زهرة وغيرها من الشخصيات النسائية ضحايا مجتمع يزيدهن رعباً وهماً ويصيرهن غارقات فى  ” تخبطات الوهم , والانتظار العقيم …, انتظار المجهول… والحدود التى لا ينبغى تجاوزها “(71).
وبالرجوع إلى النص الروائى , يتضح لنا أن صورة الآخر , متمثلة فى نموذج المرأة المتكرر , لم تكن سوى امتداد لصورة زهرة عبر علاقة التماثل . ومن ثم نخلص إلى أن صورة الآخر هذه ما هى إلا تأكيد لوضع إنسانى جماعى (الشخصيات النسائية فى الرواية), متجسد فى وضع فردى (شخصية زهرة). ومن هذا المنطلق يتسنى لنا القول بأن “زهرة” شخصية رمزية تمثل قيمة معينة , وذات أهمية جوهرية فى بلورة التجربة الروائية وتعميق أبعادها.
وعليه , فلا غرابة أن تبحث زهرة – بوصفها معادلاً  موضوعياً للشخصيات النسائية فى الرواية – عن الأمان فى زمانها الذى تصفه بالقسوة(72), ضارعة إلى ربها بقولها : ” خذنى للدار التى أحس بها بالأمان , والكرامة والفضيلة “(73).
وإذا كانت صورة الآخر – الشخصيات النسائية – قد بينت لنا أنها امتداد لشخصية زهرة وتأكيد لها من خلال علاقة التماثل بينهما , فإن هذه الصورة – متمثلة فى شخصيات الرجال – تبدى لنا خصائصها الشكلية وسماتها الأيديولوجية والسلوكية من خلال التباين بينها وبين زهرة , فى ضوء علاقة الأخيرة بها .
فزهرة ترى أن الرجال لا يحترمون إلا المرأة ذات السطوة ” فهم ذاتهم فى كل مكان”(74), متكبرون , متعالون , متسلطون(75), ” الرجال درجات … يتفاوتون فى اعتلاء السيادة , منهم من فى القمة ومنهم من في السفح “(76) و “قُدَّر لهم أن يملكوا كل شيء فى أيديهم , قُيَّض لهم أن يصنعوا الأعراف , يفصلونها بمقاييسهم الخاصة لتناسب جنسهم المبجل المغرور “(77), آفاقهم ضيقة والمرأة فى نظرهم ” للفراش والطبيخ فقط “(78), فما أسهل أن يضم الرجل ” متشردة تائهة للماعز فى حظيرته , يقضمها ليلة العيد , ويلقى بالعظام فى قمامة تؤمها الوحدة والهواجس “(79).
ومن سياق الاقتباسات السابقة , يتضح لنا أن زهرة ترسم إطاراً عاماً لصورة الرجل بخصائص معينة, يندرج تحته نماذج لرجال لا يشذ أغلبهم عن هذه الصورة, فالرجال فى مجتمع أهل الجبل (80) بمنطقة ” نزوي “, يتطابقون في أوصافهم مع الإطار العام لصورة الرجل، كمـا نجد تطابق هذا الإطار مع شخصيات بعينها في هذا المجتمع، والتي تتمثل فى ( ” والد زهرة ”  و” عمها ” و  ” سالم ” حبيبها و ” أحمد ” معلم القرآن )(81).
وبالانتقال إلى مجتمع البحارة سواء منهم من  قابلته زهرة فى منطقة ” صور” أو من  تعاملت معه على ظهر المركب , نجد أن أوصاف هذا المجتمع لا تخرج عن نطاق الإطار العام لوصف زهرة للرجال بكل ما فيه من مفردات (السلطة والقوة والأنانية والمراوغة والتقلب والتناقض والخداع والنفاق) (82)، والإطار العام لوصف مجتمع البحارة , بكل ما فيه من بشاعة حسية ومعنوية , ينطبق على جميع شخصيات الرجال فى هذا المجتمع . وتتمثل هذه الشخصيات فى (النوخذة ” سلطان ” والبحار “صالح” و “سليمان”)(83).
إن صورة الرجل , بما فيها من صفات تندرج تحت السلطة والقوة , تتواصل فى مخيلة زهرة حيث تسترجع حكايات جدتها التى تذهب إلى أن الرجال ” سحرة ” , والبحارة ” لصوص “, و” حفنة قراصنة “(84).
وبالرجوع إلى وصف الجدة للرجال بأنهم سحرة , نجد أن هذا الوصف يؤكد دلالات القوة والعظمة والسمو من منطلق أن ” كافة المعارف الخاصة بالسحر تنبثق من الأصل الإلهي “(85), كما يؤكد صفات الخداع والمراوغة والتقلب التى اقترنت بصورة الرجل فى النص الروائى , فضلاً  عن أن وصف البحارة باللصوصية والقرصنة لهو تأكيد لصورة الرجل بما فيها من خصائص القبح , شكلاً  ومضموناً.
وغنى عن البيان أن توظيف كلمات : (سحرة , لصوص , قراصنة) فى قالب رمزى (حكايات جدة زهرة) ما هو إلا تأكيد لكل الخصائص التى اقترنت بالرجل فى مجتمع زهرة ولاستمرارية هذه الخصائص , من منطلق أن الحكاية فى حد ذاتها رمز يحوى دلالة الزمنية الضاربة فى القدم, كما يحوى فى الوقت ذاته دلالة الاستمرارية النابعة من كون الحكاية غير مرتبطة بزمان معين .
وفى ضوء ما تقدم يتضح لنا أن الإطار العام لصورة الرجل وما يندرج تحت هذا الإطار من نماذج لشخصيات الرجال فى الرواية , ما هو إلا تمثيل واقعى لهوية الرجل فى مجتمع زهرة , كما أن تكرار هذه الصورة فى نماذج شخصيات الرجال, إنما هو تأكيد لطبيعة هذه الهوية .
وفى الوقت ذاته يتبدى لنا أن علاقة التباين بين صورة الآخر (شخصيات الرجال) بما تتمتع به من قوة وسلطة , وبين زهرة (المعادل الموضوعى للشخصيات النسائية), بما تعانيه من ضعف وقهر , ما هى إلا تأكيد لصورة زهرة واستمراريتها, من منطلق أن الضعف والقهر من معطيات القوة والسلطة , وذلك على اعتبار أنهما نقيضان أو وجهان لعملة واحدة هى النفس البشرية .
ثانياً : اللاشعور :
تعد الأحلام لدى ” كارل يونج ” المادة الأساسية التى تتجسد فيها الأنماط الأولية أو النماذج الأصلية ” “Archetypesوهى مكونات اللاشعور الجمعى , وتتمثل فى الأفكار والصور اللاشعورية الموروثة عبر الأجيال مثل الأفكار والصور المتعلقة بالله والشيطان والخير والشر والأب والإنسان والحيوان والحياة والموت والحب والكراهية(86).
وحيث إن صور الأحلام هى ” صور رمزية لا تصرح بالواقع بطريقة مباشرة, بل تعبر عن القصد منه بشكل غير مباشر بواسطة المجاز “(87), فلا غرابة فى أن الماضى الذى يتربص بزهرة ويخيفها بأشكال شتى (شبح مخيف, خنجر مميت, منجل, شفرة سكين(فى حالات اليقظة , هو ذاته الذى يظهر لها فى حالة ” التهويم” التى تشتمل على : الأحلام وأحلام اليقظة والأخيلة والرؤى والهلاوس , وصور خيال ما قبل النوم وصور خيال ما بعد الاستيقاظ(88).
ففى حالات الهذيان – مثلاً – التى تنتابها عقب إصابتها بنوبات السعال , يطاردها الماضى على هيئة شبح مخيف يهاجمها فى شكل دخان كثيف , حيث تهذى قائلة “خيوط دخـان…, رؤوسهـا إخوتى …, فروعها فى كل مكان , دخان يخنقنى , يلفنى, ويقيدني”(89). وفى حالات الهذيان هذه , يخيل إليها أن هناك من  يراقب معاناتها وضعفها مثل : خادمها الأفريقى “كتمبو” الذى يراقبها من فوق هضبة والنوخذة “سلطان ” الذى يراقبها من على الصارية بعينىْ  نسر , منتظراً سقوطها وعثرتها(90).
ولا تختلف صورة الماضى الذى يطارد زهرة فى حالات الهذيان عن صورته وهو يطاردها فيما يعتريها من كوابيس إذ تصف حالتها ” أنتفض ليلاً, عرقانة , مبللة الثياب , يحدونى الظلام والفزع ويتقمصنى شيطان مزعج بيده خنجر مسموم يغرزه فيَّ غرزاً متلاحقاً”(91).
وحيث إن حالة التهويم تحوى – فيما تحوى – أحلام اليقظة والأخيلة , فإن مشهد مطاردة الماضى لزهرة على هيئة منجل أو شفرة سكين , محفور فى ذاكرتها ؛ إذ تسترجعه وهى فى السيارة فى طريقها إلى المركب , وكذا حال وجودها على ظهر المركب وأيضاً فى وسط إحدى غابات أفريقيا(92).
وبما أن الرموز تعد جزءاً هاماً من جملة العمل الأدبى , والمجال الرمزى  ” يقوم على أساس من تجارب الأفراد فى مجتمع معين وفى مكان وزمان معينين “(93), وزهرة ما هى إلا ابنة مجتمع شرقى عربى (عماني), يهيمن عليه الرجل الذى يمثل سلطة اجتماعية , والخنجر والمنجل والسكين كلها صور مجازية لا ترمز إلى هذه السلطة فى الواقع فحسب , بل إنها حتى فى الأحلام تعد من بين الأدوات الحادة التى ترمز إلى عضو الذكورة(94), فليس بمستغرب أن يتبلور خوف زهرة من ماضيها وحاضرها فى حالات الهذيان والكوابيس والأخيلة (أحلام اليقظة) بصور معينة , تعد تعبيراً غير مباشر عن خوف زهرة من السلطة الاجتماعية متمثلة فى الرجل بصفة خاصة , باعتباره شخصية مرهوبة تتصرف من موقع قوة ما , وتعطى لنفسها حق التدخل فى تقرير مصير الآخرين .
وبالنسبة لزهرة , تتمثل هذه الشخصية فى شخوص : الأب والإخوة والعم والحبيب الراحل (سالم) والزوج المفترض (عبد الله) والزوج الفعلى (صالح) والنوخذة (سلطان)… وغيرهم .
وعليه فإن صورة الرجل فى لا شعور زهرة , تترجم إلى رموز مثل : الخنجر – السكين – المنجل – الدخان – الشبح – الشيطان وغيرها , وهى رموز تنطوى على إحساس زهرة بالرهبة والهلع من الرجل , وليس أدل على ذلك من أحد مشاهد هذيان زهرة الذى يجمع صوراً مفزعة لبعض الرجال الذين عرفتهم زهرة فى ماضيها وحاضرها , إذ تقول فى هلوسة: “جميع الوجوه أعرفها وتعرفنى , جميع الوجوه التى أعرفها تلاحقنى كذئاب مسعورة تقترب مكشرة عن أنياب مسمومة كالسكاكين , دائمة الطلب , ودائمة الأخذ , وجوه مألوفة من بينها زوجى الراحل وإلياس وإسماعيل و.. كلهم يتربصون بى وكأنى فريسة مذعورة غرة , وأمامى حيث السبيل الوحيد للنجاة , وجدت عمى بأوداجه المنتفخة , بعينيه الحاسدتين الغاضبتين , ويداه ملطختان بالدم حمراوان قانيتان. وفى الخلف كان سلطان، شيطان محنك، بابتسامة غواية واسعة الأبواب” (95).
ومما تقدم يتأكد لدينا أن الأحلام هى صور مهوشة (غير منتظمة) مستمدة من الواقع , تنتظم وفقاً لنزوات الحالم ورغباته ومخاوفه(96), كما أنها ” وسيلة من وسائل الوجود واستمراره …, ودلالاتها الرمزية لا نهائية , لكن جذورها كامنة فى
الواقع”(97). هذا فضلاً عما يتكرر فيها من صور لا شعورية مفعمة بالعواطف والانفعالات ومثقلة بالرموز , مما يجعلنا نولى الأحلام اهتماماً كبيراً  وبالتالى فإن اهتمامنا بأحلام زهرة على اختلاف أنواعها (أحلام يقظة – حالات هذيان – كوابيس), يجعلنا نتجاوز المفهوم “الفرويدي ” إزاء الأحـلام الذى ينصـب على البحـث عن سبـب الحلم, إلى المفهوم ” اليونجي ” الذى يركز على غائية الحلم أو بمعنى آخر الهدف الذى من أجله كان الحلم . فإذا كان الخوف من الرجل هو السبب فى أحلام زهرة – كما أوضحنا سلفاً -, فإننا نطرح سؤالاً: من أجل ماذا كانت أحلام زهرة؟
ثالثاً : علاقة اللاشعور بالشعور :
وللإجابة عن السؤال السابق , لا بد من لفت الانتباه إلى أن ثمة علاقة بين الجانب اللاشعورى والجانب الشعورى فى النفس البشرية , استناداً إلى أن كبت الرغبات أو النزعات النفسية لا يؤدى إلى محوها أو القضاء عليها ; إذ تظل كامنة فى اللاشعور , متحفزة للظهور بالقفز إلى الشعور .
فإذا كانت صورة الرجل فى لاشعور زهرة تقترن بمواصفات رمزية مثل : الذئب والشيطان والحاسد , فإن هذه الصورة تتردد فى شعورها بمواصفات الشبح والقوة والسيطرة والأنانية والسحر , مما يوحى لنا أن هذه المواصفات فى الجانبين : اللاشعورى والشعورى تنطوى على دلالات يفضى بعضها إلى بعض من ناحية , وتفصح عن ارتباطها بالمرأة من ناحية أخرى وذلك على النحو التالى .
فالرجل الذى يرد فى لاشعور زهرة , على هيئة ذئب , ما هو إلا شيطان , على اعتبار أن ” الذئب رمز للشيطان “(98), والشيطان , بمرجعية عقائدية , ما هو إلا ذلك الحاسد الذى رفض السجود تكريماً لآدم حقداً عليه(99). وكان الحسد نتيجة لثورة الشيطان على الله(100). والشيطان والحية والمرأة ما هم إلا شيء واحد فى أساطير الخلق الأولى ; إذ ورد فيها أن الحية هى الوحيدة من بين دواب الأرض التى وافقت على حمل الشيطان (إبليس) بين أنيابها حتى تمكن من دخول الجنة ومن ثم الخروج من جوف الحية وغواية حواء بالأكل من الشجرة المحرمة , وبالتالى غواية حواء لآدم بالأكل منها , فكان خروجهما من الجنة(101) (*).
وحيث إن الحية ترمز إلى الخطيئة والذنب , وترتبط أيضاً بدلالات السحر وفق مرجعية عقائدية(102), وشعبية(103), كما يرتبط الشيطان بدلالات الخداع , فلا غرابة إذن أن يكون الرجل – كما تراه زهرة – شيطاناً وساحراً لأن فى لفظة ” الساحر” تكمن معانى الخداع وصرف الشيء عن حقيقته(104), فضلاً عن أن السحر يتم بقوة ميتافيزيقية , وهو عمل فيه تقرب إلى الشيطان ولا يتم إلا بمعونة منه(105).
ولما كانت المرأة علامة الخطيئة فى أساطير خلق الإنسان ،فإن وصف زهرة للرجل فى النص الروائى بأنه ذئب وشيطان وساحر وحاسد , ما هو إلا استخدام لرموز معكوسة الدلالة , وهو استخدام ينطوى على عملية نفسية من العمليات العقلية اللاشعورية يطلق عليها “الإسقاط” وهى عملية من خلالها يستطيع المرء حماية نفسه بإلصاق عيوبه بغيره وبصورة فيها تهويل(106). كما يؤكد هذا الاستخدام استمرارية نزعات زهرة اللاشعورية وقفزها إلى شعورها, متمثلة فى رغبتها الملحة فى رفض القهر والظلم الواقعين على المرأة منذ اقتران الخطيئة الأولى بها .
وتجدر الإشارة إلى أن ورود الرجل فى النص الروائى بتلك المواصفات الرمزية , فى حالات زهرة الشعورية واللاشعورية , يعد نوعاً من الخروج عن الاستخدام المألوف فى اللغة, كما يعد فى الوقت ذاته نوعاً من خطاب الأنا السلطوى الذى يتلون ليتسق مع الخطاب الأيديولوجى أى خطاب الآخر , بما يمثله من سلطة أو قوة أو قانون اجتماعى أو موروث , وهو ما يؤكده قول زهرة : ” لن أكون عبدة للشيطان , لكننى سألاعب الشيطان بذات السلاح , وقتها ربما أجد النور”(107).
مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان الدافع وراء حالات زهرة اللاشعورية (الأحلام – الكوابيس – نوبات الهذيان) هو الخوف من الرجل , فإن الهدف منها هو محاولة زهرة الخلاص من الخطيئة الأبدية والتنصل من الذنب الملصق بها, باعتبارها معادلاً  موضوعياً للشخصيات النسائية فى الرواية وبوصفها رمزاً للمرأة .
رابعاً : ردود الأفعال :
ثمة علاقة جدلية بين زهرة والآخر (المجتمع) ؛ فزهرة تجد نفسها أمام اختيار صعب يدفعها للبحث عن ذاتها من خلال مواجهة هذا الآخر أو بالأحرى الصدام معه . ذلك أنه يعج بالشرور والعداء والبغض والقهر والقمع والحسد والأنانية والتناقض … إلخ , ويشكل اتجاهاً ثقافياً ويعكس سلوكاً اجتماعياً ينحو نحو تدمير الأنا (أى زهرة) والرغبة فى الاستيلاء عليها أو على الأقل حرمانها مما تمتلك , ومن ثم لا يكفى زهرة أن ترفض هذا الآخر وتصطدم معه فحسب, بل إنها ترى الموت – الذى هو أحد معطيات واقعها – شيئاً معتاداً مع أنه كفكرة ” يبدو رهيباً وغير مقبول البتة “(108); إذ يدفعها نحو مسيرة العدم ويبدى شقاءها المعرفى ووعيها بالعجز عن بلوغ المستحيل (حريتها). ومع ذلك تتحداه كما يتبدى من عبارات بعينها فى النص الروائي(109). وبما أن الحرية “لا يدركها المرء إدراكاً حقيقياً إلا بممارستها عن طريق علاقته بالآخرين , فالعلاقة بين الأشخاص هى وحدها التى تجعل الحرية أمراً ممكناً “(110), فإن زهرة تصر على الاستحواذ عليها , وإن أقرت بأنها مقبلة على المجهول كما يتبدى من قولها ” أنا الآن فى طريقى لعالم آخر مجهول , ربما يحبطنى … وربما أفرحني”(111), مما يوضح أن المجهول ” هو المحك الأساسى الذى تنبع منه مأساة الإنسان الداخلية وهو قلق الإنسان الوجودى “(112).
وإذا كنا قد بينا سلفاً الملابسات النفسية والجسدية لقلق زهرة إزاء وجودها , فإنه ينبغي أن نلفت النظر إلى مدى تلاعب لغة النص بازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة , وتعبير هذه اللغة عن تدرج الأطوار النفسية لدى زهرة حتى بلوغها مرحلة الثورة الداخلية دفاعاً عن وجودها . تلك المرحلة التى أعقبتها ردود أفعال تمثلت فى عبارات التحدى , وسلوك الرفض, والرغبات , والتأملات الشاردة .
فزهرة , بوصفها امرأة تحاول الخلاص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها , سعياً نحو الارتقاء من خلال رفع الظلم والقهر الواقع عليها على نحو ما تبين لنا عبر حالاتها الشعورية واللاشعورية , هى ذاتها التى تناقض ذاتها ; إذ تقر بخطيئتها الأبدية كما يتبين من طبيعة توظيف لفظة ” الشيطان “(113) فى النص الروائى . فتارة تعترف زهرة بغواية الشيطان لها , وأخرى بتمكنه منها , وثالثة بتوحده معها , ومن ثم كسر المحظور بخرق زهرة للموروث (العادات والتقاليد) وهروبها إلى أفريقيا .
إن الآخر (الشيطان/ الرجل) الذى تنوى زهرة محاربته أو ملاعبته بذات السلاح أى بسلاح الشيطنة بما فيه من قوة وسلطة ومراوغة وتقلب وأنانية … إلخ , كما أوردنا آنفاً , ما هو إلا (الأنا) أى (أنا) زهرة ذاتها . تلك الأنا الشيطانية التى تتضخم بداخلها وتتسلل خارجة منها , كما تقول هى : ” جسدى بأكمله يبدو كأنه يتضخم وكأن الشيطان الذى كان يسكننى يتسلل خارجاً مني “(114). ومن ثم تجعل زهرة من (أناها) آخر; أى موضوعاً خارجياً قابلاً  للتحكيم والتقييم , مما يفسر لنا أن الأنا تدور فى دائرة مغلقة هى الذات , فهى تتسلل خارجها لتعود إليها مرة أخرى , كما أن توحد الأنا والآخر يبين أن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن تدمير نفسه أو تحقيقها , وبمعنى آخر إما أن يكون ألد أعدائها أو أحب الناس إليها.
من هذا المنطلق كان نبذ زهرة لماضيها الذى لم ينجم عنه سوى ذاتية خائفة , ممزقة , ضائعة , شاردة , متناقضة , فاقدة الإرداة , وكذا ازدراؤها لحاضرها الذى يمعن فى غرز أحاسيس الخوف بداخلها ويجعلها سجينة العار والعيب والخطيئة . ومن ثم كان إحساسها بالقلق إزاء وجودها , مما ترتب عليه رفضها اللامبالاة أو الإهمال من جانب الآخر أو محاولة تهميشها أو طمس وجودها أو محو نرجسيتها أو جعل حياتها نمطية رتيبة, وكذا أحقيتها فى رفض أى وضع تضيع معه سنوات عمرها هباءً  منثوراً ويجعلها فى مكانة أضعف أو أقل, حتى ولو كان هذا الوضع يستمد قوته من الموروث أو ينبثق منه.
ذلك الرفض الذى تبلور فى مناجاة زهرة المتكررة من خلال عبارات تفيد التحدى للآخر والصدام معه , منها قولها : “لا يحق لرجل بعد اليوم أن ينظر لى كأنه يمتلك حق تقييمى والتصرف بى”(115).
وبالرجوع إلى مواضع تلك العبارات فى النص الروائى , يتضح لنا أن زهرة تحمل صفات البطل الإيجابى , بما تنطوى عليه من قيم أصيلة , يتمثل أبرزها فى الإحساس بالأنا وبقيمة الحرية وفى الرغبة فى تغيير الذات وما حولها , وبما تبرزه من الجانب الإشكالى فى شخصية زهرة من حيث رفضها التبعية . فزهرة ترفض مجتمعها بكل ما فيه من قيود , ومع ذلك لا يتسنى لها العيش بآمالها الداخلية , بمعزل عن هذا المجتمع, إذ تجتره فى ذاكرتها عبر مواقف شتى فى حياتها , مما يفسر هيمنة هذا المجتمع عليها , وبالتالى تكمن المأساة ; إحساس بالانتماء وعدم الانتماء فى آن واحد , ومن ثم يحدث الصدام .
ويتواصل تحدى زهرة عبر ردود فعل تكشف سلوكها تجاه الآخر كما يتأكد من قولها: “هكذا وجدتها معركة تتحدانى كاملة , معركة فاصلة بينى وبين حريتى , مطلق الحرية … و (أية) حشرة …, لن تقف فى طريقى …, سأدوسها بقدمى وإن لم يكفنى ذاك سأقطع أجنحتها وأهدابها الدقيقة , فلا هى بالحياة ولا هى بالموت “(116), الأمر الذى يعكس سخطها على جنس الرجال لما ادعوه من حقوق لأنفسهم , ولعنها إياهم وحقدها عليهم , نظراً لما يغرسونه فيها من أحاسيس الخوف والعرى والخطيئة وقصور اليد والرؤية،  وكذا رفضها أى ابتزاز لها أو موقف يجعلها تتعلق بأحلام هلامية , وأيضاً رفضها الزواج من عبد الله (ابن عمها) رغماً عنها, أو أى إطراء أو مديح يُعلى من قدر المرأة الأفريقية (زوجة سالم حبيبها). هذا فضلاً عن محاولاتها المتكررة لإجهاض نفسها بغية التخلص من جنينهـا وكأنـها بذلك تؤكد قطع أى خيط يربطها بجنس الرجال أو يذكرها باستمراريته(117).
وإذا كانت مشاعر زهرة الباطنية قد عكست سلوكها الرافض لجنس الرجال على نحو ما تقدم , فإن هذه المشاعر تتواصل عبر رغباتها المختلفة التى تسعى نحو إشباعها ; إذ وراء كل إشباع حاجة . ولما كانت زهرة ترغب فى الفوقية والسيادة والسلطة وتتوق إلى الحرية , فإنها تستعذب الإحساس بالانتصار على إخوتها فى مواقف عدة(118). كما تستلذ الإحساس بالانتقام من ” سلطان “, وكسر عنفوانه بالحقد عليه والتشفى فيه(119).
ويتواصل الإحساس بلذة الانتقام لدى زهرة من جنس الرجال , مع زوجها صالح; إذ لم تتورع أن تتخلص من نسله , رغم عشقه إياها ومعاملته الطيبة لها(120), وكذا مع سليمان ; إذ تنتشى وهى تراه خادماً لها , لاهثاً وراءها , معانداً – من أجلها – أوامر سيده سلطان(121).
والإحساس المفرط بلذة السلطة والفوقية يستولى على زهرة إلى الحد الذى يجعلها تنتشـى وهى تستعـرض قدرتها وسط البحارة , إذ تشعر أنها ” مخدومة من الجنس العالي”(122).
إن الحاجة إلى إشباع نزعة الفوقية والرغبة فى السلطة تتملك زهرة حتى تصير عقدة تعانى منها . فرغم إحساسها بالحرية والخلاص من كل القيود بعد وصولها إلى أفريقيا وامتلاكها مقومات السلطة من مال وأرض وعبيد , فإنها تجد لذة فى استرهابها العبيد, ونظرات الحيطة والحذر من جانبهم(123).
وإذا كان الفن فى رأى فرويد ” وسيلة لتحقيق الرغبات فى الخيال , تلك الرغبات التى أحبطها الواقع إما بالعوائق الخارجية أو المثبطات الأخلاقية “(124), فإن النص الروائى يحقق ذلك من خلال التأملات الشاردة لدى زهرة أو ما يمكن أن نطلق عليه أحلام اليقظة التى تضع زهرة فى عالم غير عالمها ومجتمع غير مجتمعها , تجد فيه نوعاً من الاطمئنان أو الثبات النسبى. وذلك حين تتخيل نفسها امرأة من طراز آخر ؛ أميرة وملكة , وتجعل من ذاتها حلماً جميلاً تصبح بمقتضاه بمثابة أسطورة أو ” صرحاً ” تُحكى حكايته ” فى كل الأوقات “(125).
إن التأملات الشاردة التى تعد حالة نفسية عابرة , تولَّد لدى زهرة شعوراً بالخلاص من الزمن وذلك بالانفتاح على عوالم جميلة بلا ماضٍ  ولا حاضر ولا مستقبل; فالزمن فيها واحد متصل يقع وراء الزمان الكرونولوجى , ويقودها نحو السرور والمتعة, كما تخفف هذه التأملات من وطأة معاناة زهرة النفسية الناجمة عن إحساسها بالنقص من جراء مقارنتها ذاتها بالآخر , لا سيما زوجة سالم الأفريقية ; إذ بهذه التأملات الشاردة, تخلق زهرة لنفسها صورة مماثلة لصورة تلك المرأة الأفريقية ; الشخصية الوحيدة التى لا تعانى النقص ; إذ ليس لها وجود حقيقى فى الرواية , فهى الغائب الحاضر الذى يصل إلينا من خلال ما تتخيله زهرة عنها وما تسمعه بصددها . وهى حقاً وهم لا وجود له “أسطورة ” كما يتأكد من الحدث الروائى ; فزهرة فى رحلتها الطويلة إلى أفريقيا , بحثاً عن حبيبها سالم , لا تعثر لهذه المرأة على أثر , إذ تتضارب الأقوال وتتشعب بشأنها , فمن قائل أنها رحلت جنوباً, ومن قائل أنها ذهبت إلى الجبل , ومن قائل أنها باعت منزلها …, ومجمل القول , كما تروى زهرة, أن ” زوجة سالم اختفت فى الزحام “(126).
إن النقص الذى تعانيه زهرة , يمثل حقيقة فى واقعها المعيش – كما يتأكد من الحدث الروائى – بما فيه من ظلم وقهر وقمع لا تعانيه زهرة فحسب , بل النموذج العام للمرأة فى الرواية , وما يندرج تحته من شخصيات نسائية , مما يؤكد أن التأملات الشاردة ما هى إلا حالة نفسية عابرة تتوهم زهرة فيها السلطة والقوة , بما يجعل من هذه التأملات هروباً مؤقتاً من الواقع المعيش , بكل ما يعتريه من نقص . أما الهروب الدائم منه , فيتمثل فى مغامرة زهرة وخروجها من سلطنة عُمان إلى أفريقيا , بحثاً عن المفقود الذى هو – من وجهة نظر زهرة – الحرية مقرونة بالسلطة والقوة .
خامساً : الازدواجية العاطفية :
إذا كانت صورة الرجل التى عايشتها زهرة فى واقعها , صورة قبيحة, مشوهة , مؤلمة ومخيفة لها عبر المواقف المختلفة لحالاتها الشعورية واللاشعورية , وإذا كانت التفرقة فى المعاملة بين زهرة وإخوتها من قِبل والديها , قد أدت إلى شرخ مؤلم فى نفسيتها وإلى انطباع صورة قاسية لهما فى ذاكرتها , فلنا أن نطرح هذا التساؤل : هل تكره زهرة الرجال فعلاً  ومنهم أباها ? وهل يؤدى ما لديها من انطباع قاس عن أمها إلى كراهية النساء عموماً ومن بينهن نفسها?
واستناداً إلى الإزدواجية العاطفية , أى اجتماع الحب والكراهية فى آن واحد تجاه موضوع معين شخصاً كان أم شيئاً , دون أن يدرى المرء مصدر هذه الازدواجية , بيد أنه لا يستطيع أن ينفى أنها أساسية فى حياته العاطفية(127), فإن زهرة التى ترى فى سوء معاملة أمها لها ما يثير استياءها , ويُشعرها بقسوة هذه المعاملة , هى ذاتها التى – حال انتعاشها وإحساسها أنها أميرة على ظهر المركب – تتأسى على حال أمها المسكينة(128). وهذه الازدواجية العاطفية من جانب زهرة تتكرر تجاه شخصيات نسائية أخرى(129).
ووالد زهرة الذى لم تلق منه سوى الفظاظة وغلظة القلب هو ذاته الذى تشفق عليه حين تخيلها إياه هازاً رأسه وبين أصابعه مسبحته الفيروزية وقد ذاق مرارة العار إثر علمه بهروبها. فضلاً عن يقينها بأنه ما كان ليرضى لها ما ألم بها على ظهر المركب من إحساس بالضعف والهوان من جراء وجودها بين الرجال (البحارة), ومن ثم تعرب عن ندمها داخلياً(130).
وتجدر الإشارة إلى أن ما ينتاب زهرة من ازدواجية عاطفية تجاه أبيها ينسحب على غيره من شخصيات الرجال فى الرواية مثل : (الحبيب سالم , النوخذة سلطان , الزوج صالح, عم زهرة , أحمد معلم القرآن، الصبى الأفريقي)(131).
وبإنعام النظر فى المواقف التى تعكس الازدواجية العاطفية فى النص الروائى , يتسنى لنا القول أن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء , وأن مشكلتها النفسية وليدة حكم الأب والأم , ذلك الحكم الذى تبلور فى طبيعة العلاقة بينها وبينهما .
وإذا كانت أول تجربة للقلق تمر فى حياة الإنسان , ناجمة عن الآثار النفسية للانفصال عن الأم(132), فإن قلق زهرة على وجودها جاء نتيجة لمقدمات كثيرة تمثلت فى مواقف أكدت الفجوة النفسية بين زهرة وأمها ؛ منها موقف بلوغ زهرة الحلم , حيث تقول : ” إننى أعرف أكثر عندما لا تكون أمى معي “(133), ومنها أيضاً المواقف التى فضلت فيها أم زهرة إخوتها عليها وانشغلت عنها بأمور حياتية أخرى وقست عليها جسدياً ونفسياً(134). وهى مواقف تولدت عنها ازدواجية عاطفية لدى زهرة تجاه أمها . تلك الازدواجية التى يذهب فرويد إلى أن البشرية اكتسبتها من عقدة الأب , حيث تجد فيها أقوى صيغة لها(135). الأمر الذى يتجلى فى طبيعة علاقة زهرة بأبيها , إذ بدأت الازدواجية العاطفية مع الأب ثم امتدت بعد ذلك مع بقية الرجال .
فزهرة عانت الكثير من قسوة أبيها جسدياً ونفسياً منذ مرحلة الطفولة حتى مرحلة الشباب , ومن ثم عجزت عن احتوائه نفسياً . ومع ذلك فلم تستطع كراهيته , كما لم تستطع فى الوقت ذاته كراهية جنس الرجال أو احتوائهم نفسياً رغم ما لاقته منهم .
واستناداً إلى أن عقدة أوديب ما هى إلا ” مجموعة من الرغبات والمشاعر والأفكار اللاشعورية التى تقوم على أساس الرغبة فى امتلاك الوالد أو الوالدة من الجنس المقابل … وفى نفس الوقت إزالة الوالد أو الوالدة من نفس الجنس”(136), وإلى أن الاضطرابات النفسية والجنسية ومشاعر الذنب ما هى إلا نتيجة لهذه العقدة(137), فإن زهرة التى تعجز عن امتلاك أبيها واحتوائه نفسياً , تسعى إلى البحث عن هذا الرمز فى نماذج الرجال . فمع صالح تنشد الحماية والمأوى , وبالتالى ترتضيه زوجاً . ومع النوخذة سلطان تبحث عن القوة والسلطة والقيادة وهى صفات تفتقدها فى أبيها . كما تنشد فى سلطان الصراحة والوضوح اللذين افتقر إليهما الأب . وعليه فإنها تلوم أباها (رمز الموروث) الذى جبلها على النفاق والتناقض, ونظراً لإحساسها بالنقص الناجم عن عجزها فى التخلص منهما, فإنها تعجب بصراحة سلطان ووضوحه .
وإذا كانت ” رحلة البحث عن الأب , تفتح خطاب الرغبة بوصفها ذاتاً متكاملة تتوحد وفقاً للصيرورة فى جدل الطبيعة / الثقافة – الحب / العمل ، إذ يكون العمل فكرة شاملة , توحد البدن / الفكر , فلا عمل دون جهد بدنى وإدراك عقلى”(138), فإن بحث زهرة عن أبيها يتبلور فى مغامرة الخروج من منطقة الجبل ورفضها الحياة النمطية , حيث سلطة الموروث وضياع الذات وغياب الحرية , وبالتالى الشعور بعدم الكرامة وانتفاء السلام النفسى , الأمر الذى ترتب عليه الخروج من أجل عمل أسمى يدركه العقل ويؤدى إلى الحرية وتحقيق الذات.
وبما أن ” اكتشاف المرء لمصيره يُرمز إليه بالبحث عن الأب “(139), على اعتبار أن العثور على الأب مرتبط بالتعرف والحصول على شخصية المرء ومصيره , فإن زهرة تواصل البحث عن أبيها عبر البحث عن سالم , ظلها الكامن فى أعماقها ورفيق باطنها, الذى بدونه لن يتحقق لذاتها التطور والانتشار والتفرد , ليس لأنه فتى أحلامها , ولا لكونه مصدراً لاستمرارية هذه الأحلام , بل لكونه موضوعاً لها . فسالم الذى أبحر دون عودة وأعطى حياته للبحر , ومات فى أحضان امرأة غريبة , يرمز بفعله هذا إلى موضوع أحلام زهرة , وهو الرغبة فى ميلاد جديد والانطلاق نحو حياة أفضل فى ظل موروث جديد , يحررها من عقدة الذنب .
وإذا كان سالم ظلا  باطنياً لزهرة ورجلاً يعد الشيطان رمزاً له , يتضخم داخل زهرة ثم يتسلل خارجها ليتحول إلى ذات أخرى , فإن هذا الظل بخروجه المجازى , هو “الجزء النامى المتطور فى الشخصية , الجزء الذى يسعى نحو التفرد والخروج من حالة الأنا Ego المحدودة إلى حالة الذات Self الأكثر اكتمالا  ونمواً وتحقيقاً “(140), على نحو ما يذهب إليه يونج .
ولما كان الشعور بالذنب ضمن محصلات العقدة الأوديبية , فإن لحظات ندم زهرة على هروبها , ما هى إلا اعتراف بالخطيئة والذنب ورغبة فى التطهر منهما بمحو الماضى, ذلك الماضى الذى نجم عنه اضطرابات زهرة وأزماتها النفسية التى كانت وليدة حكم الأب والأم بمعناه السلطوى الواسع : الموروث – المجتمع – الثقافة . وعليه تسعى زهرة إلى الخلاص من رواسب هذا الحكم فى إطار حياة جديدة يخلصها من مأساة وجودها زماناً ومكاناً . ذلك السعى الذى لا يتمثل فى خروجها من عُمان إلى أفريقيا ولا رغبتها فى ميلاد جديد فحسب , بل فى تمنى الصيرورة إلى جنس الرجال , حيث الحرية والسلطة , ومن ثم تقول : ” ليتنى كنت رجلاً …, لا تكبلنى كلمة العيب “(141). وهذه الأمنية تراودها منذ الطفولة , كما يتبدى من كلماتها “أتمنى دائماً أن أكون صبياً بين طرفة عين وأخرى”(142), فالرجولة بالنسبة لها انطلاق وتحرر(143).
ولا يقف سعى زهرة عند حد الرغبة فى التطهر من عقدة الذنب والخطيئة بمحاولتها محو الماضى , بل بتجاوزه إلى إثبات أن ذاتها سوية خالية من الاضطرابات النفسية, وهنا تكمن المفارقة . ففى الوقت الذى تعانى فيه أحاسيس الحقد والأنانية والشعور بالخوف , تؤكد أنها امرأة سوية تعرف الحب(144), وبداخلها ” امرأة عادية تتعلق بالأحلام “(145).
وتتجلى المفارقة فى أبهى صورها فى أن زهرة التى تعرف الحب والرومانسية -على حد قولها – هى ذاتها التى تسيطر عليها رغبة الانتقام من الآخر , بقتله . ففى فعل القتل تكمن جدلية النهاية والبداية أو الموت والولادة , إذ تناجى زهرة نفسها ثائرة:
“لو أحمل مجز القت وأبقر من  يحادثنى لفعلت”(146), “ليتنى أبقر بطنه (عبد الله)
بخنجر”(147).
وحيث إن المجز والخنجر من الأدوات الحادة التى ترمز إلى العضو الذكورى فى اللاشعور (الأحلام), وهو العضو الذى يرمز إلى الخصوبة والحياة فى الشعور كما يتأكد بمرجعية أسطورية (أسطورة أوزيريس)(148), فإن رغبة زهرة فى بقر البطن لا تعنى قتلاً أو موتاً للآخر, بل إحياءً له , بمزج دلالاتى الحياة : الآلة الحادة التى ترمز إلى عضو الذكورة , والبطن التى ترمز إلى الرحم والولادة .
وبالرجوع إلى فكرة توحد زهرة مع الآخر (الذئب / الشيطان – الحية) يمكننا القول أن القتل بواسطة عضو الذكورة (المجز أو الخنجر) الباقر (أى الداخل) للبطن (وبها الرحم) ما هو إلا تعبير عن رغبة زهرة والآخر – باعتبارهما شيئاً واحداً – فى العودة إلى اللاعضوية واللاتميز من أجل ولادة جديدة . هذا فضلاً عن أن فعل القتل , بما يتضمنه من رموز جنسية, يؤكد رغبة زهرة فى التوحد بالآخر من خلال العملية الجنسية التى يترتب عليها استمرارية الحياة بفعل الولادة .
ومما يفسر ازدواجية عاطفة زهرة (الرهبة والرغبة) تجاه الآخر (الرجل) , أنه فى الوقت الذى ترهب فيه زهرة الرجل (شعورياً ولا شعورياً كما بينا سلفاً) ومن ثم تود شعورياً الانتقام منه ببقر بطنه , ترغب لا شعورياً فى احتوائه وامتلاكه والتوحد به , مما يؤكد أن العمل الفنى ” يحقق من الرغبات المكبوتة فى اللاشعور ما يحققه الحلم . وهو كذلك يتخذ من الرموز والصور ما ينفس عن هذه الرغبات , ويخلق بين هذه الرموز أو الصور علاقات بعيدة وغريبة فى الوقت نفسه “(149).
أخيراً , إذا كانت الزهور رمزاً أنثوياً , يرتبط بالمستقبل والتوازن والعدل والميلاد والانتصار والسرور , ويحوى دلالات انفتاح العوالم الباطنية وامتزاج الروح بالجسد , فضلاً  عن توحد الزمان بانتفاء مراحله , والإشراف والمعرفة والنور والخصوبة والنمو والامتداد والانبعاث والعقل والتنبيه والحماية(150), فإن النص الروائى يؤكد انتفاء تلك الدلالات لدى زهرة من خلال التوظيف الفنى للاسم (زهرة) الذى كان الغرض منه الإسقاط الدلالى , ومن خلال إخفاق زهرة فى تحقيق الدلالات السابقة , بعد رحلة الهروب الطويلة , إذ لم تجن سوى المعاناة والشقاء , كما يتبدى فى مناجاتها ذاتها : ” ماذا بى أحس بالوحدة , أحسنى غريبة من الأعماق يا زهرة الأسفار الطويلة , يا زهرة الأحزان الغريبة , يا أنا يا ذاتى المغتربة , ويا أشواقى المنبعثة , كم هو مؤلم إحساسى بالشقاء “(151).
الخـاتمـة :
وبعد الدراسة التحليلية للمضامين النفسية لرواية ” الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى, اعتماداً على منهج التحليل النفسى لسيجموند فرويد , وانطلاقاً من مركزية اللغة لجاك لاكان فى تحليل النص , وبالوقوف على محاور محددة متمثلة فى: الشعور – اللاشعور – علاقة اللاشعور بالشعور – ردود الأفعال – الازدواجية العاطفية , أمكن التوصل إلى مجموعة من النتائج لعل أهمها ما يلى :
•    إن رواية ” الطواف حيث الجمر ” لبدرية الشحى تعد أول رواية لقاصّة عُمانية؛ فلم تسبقها كاتبة عُمانية أخرى فى هذا المجال . والرواية فى مجملها تعكس أزمة نفسية ذات صلة بقضايا ذاتية واجتماعية وأيديولوجية . والمناجاة النفسية تمثل لازمة فى السرد الروائي, كما تشكل حالات التداعى النفسى للشخصية المحورية : ” زهرة ” بوصفها بطلة, وتكشف عن طبيعة هذه الشخصية بكل ما فيها من تركيب وكثافة سيكولوجية تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها. كما تؤكد المناجاة ذاتها شخصية ” زهرة “, باعتبارها رمزاً , يمثل قيمة معينة, وذا أهمية فى بلورة التجربة الروائية .
•    إن أزمة زهرة النفسية تبدأ بالشعور بالقلق على وجودها , ومن ثم كان تأملها إياه, بإعادة النظر فيه , بغية معرفته والوعى به , وبالتالى تقييمه , وذلك بتوظيف مجموعة من الرموز فى النص الروائى , تمثلت فى المرآة والمياه والعين , بوصفها مرايا حقيقية ومجازية, تعكس أحاسيس زهرة بالانتهاء والموت المعنوي, فضلاً عن شعورها بالنرجسية.
•    إن شعور زهرة بالقلق على وجودها ليس وليد الآنية أو اللحظة , بل إنه امتداد لماضٍ مأساوى , بما فيه من قسوة وإهمال , عانت منه زهرة فى طفولتها وشبابها , فشكل منها ذاتية ضعيفة , ممزقة , تائهة , أسيرة الشعور بالخوف والعار والذنب والخطيئة . وهو ماضٍ ظل يطارد زهرة بهيئات مختلفة وفى حالات الشعور واللاشعور .
•    إن ذاتية زهرة تتأكد من خلال الشعور , لا سيما فى مواقف مقارنتها ذاتها بالآخر. تلك المواقف التى لعب الوصف فيها دوراً اختراقياً ؛ بالكشف عن صفات زهرة وعالمها الباطنى , فضلاً عن الفروق الأيديولوجية بين مجتمعها (العربي) ومجتمع الآخر (الأفريقي).
•    إن البحث عن صورة الآخر , يكشف عن طبيعة علاقتىْ التماثل والتباين بين زهرة والآخر . فعلاقة التماثل بينهما تؤكد أن هذا الآخر متمثلاً فى النموذج العام للمرأة فى الرواية, ما هو إلا امتداد لزهرة ذاتها , وتأكيد لوضع إنسانى اجتماعى , بما يعانيه من تحطيم للذات , وإحساس بالهلاك وبوطأة الذل والقمع والقهر . فى حين تسفر علاقة التباين بين زهرة والآخر, متمثلاً فى النموذج العام للرجل , عن استمرارية صورة هذا الآخر بكل ما فيها من قبح أخلاقى , وبشاعة نفسية , وعن التأكيد على صورة زهرة (المعادل الموضوعى للشخصيات النسائية فى الرواية), واستمراريتها من منطلق أن معاناة المرأة الذل والهوان والقهر ناجمة من تمتع الرجل بالسلطة والسيادة والحرية المطلقة.
•    إن بحث زهرة عن ذاتها لا يتم إلا بمجابهة الواقع أو بالأحرى الصدام معه . ذلك الصدام الذى يتبلور فى جانب زهرة الشعورى عبر ردود أفعال انعكست فى استعدادها النفسى لمواجهة الموت , وعبارات التحدى والسلوك الرافض للآخر وتأملاتها الشاردة التى تشبع رغبتها الجامحة فى الفوقية والسيادة والسلطة , من أجل التخفيف من وطأة عقدة الشعور بالنقص والإحساس بالدونية .
•    إن ورود صورة الرجل فى لاشعور زهرة (نوبات الهذيان – الكوابيس) – بوصفه سلطة اجتماعية – بمواصفات رمزية تتمثل فى الذئب والشيطان والحاسد والساحر , وبدلالات معكوسة , إنما الغاية منه تحقيق ” الإسقاط ” بوصفه عملية عقلية لاشعورية , تؤكد رغبة زهرة فى التنصل والتخلص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها , بوصفها رمزاً للمرأة, وكذا تأكيد العلاقة بين الجانبين : اللاشعورى والشعورى لدى زهرة. ذلك أن مواصفات الرجل فى شعور زهرة وطيدة الصلة بمواصفاته فى لاشعورها.
•    إن النص الروائى يلجأ إلى توظيف رمز الشيطان للتأكيد على ازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة , وهو ما يتبين من التناقض بين إقرار زهرة بخطيئتها الأبدية وبين محاولتها الخلاص منها , بالسعى نحو الارتقاء بذاتها وبالمرأة إلى مكانة تتسق وآدميتهما .
•    إن الازدواجية العاطفية لدى زهرة تحول دون كراهيتها لعنصر الرجال , رغم ما تراه فيهـم من غطرسـة وأنانية وكبرياء وتناقض فكرى وسلوكى ومراوغة وتقلب … إلخ, ورغم ما تعانيه بسببهم , فإن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء , هذا فضلاً  عن أن ازدواجيتها العاطفية بدأت مع عقدة الأب , وأدت إلى البحث عن هذا الرمز بما يحويه من دلالات مختلفة فى جنس الرجال .
•    وأخيراً يؤكد السرد الروائى أن زهرة بعد مغامرة هروبها من عُمان إلى أفريقيا , وبلوغها المال والسلطة والجاه تعجز عن اكتشاف ذاتها وتحقيقها , ومن ثم لا تجد معنى لحياتها, كما أن تخلصها من القيود لا يحقق لها الحرية المرجوة فتظل حريتها قيد الحلم ورهن الوهم.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

عن مؤتمر الدوحة العالمي للأسرة

29-30 نوفمبر 2004م

كلـمة شكــر

قبل الخوض في الحديث عن تفاصيل مؤتمر الدوحة العالمي للأسرة (The Doha International Conference for the Family) أود أن أقدم عميق شكري لسعادة: عبدالله بن ناصر آل خليفة، الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة، مَنْ منحني شرف حضور المؤتمر بتوجيه دعوة شخصية إليَّ، والشكر موصول لكافة لجان المؤتمر، وبصفة خاصة لجنة التشريفات والعلاقات العامة، التي قدمت أبهى صور لاستقبال الضيف، وحسن الترتيب وكرم الضيافة بفندق (ريتز الدوحة) (The Ritz Carlton).
كما أوجه كل الشكر للإدارة الأم بجامعة السلطان قابوس وعلى رأسها معالي الدكتورة: راوية بنت سعود البوسعيدي وزير التعليم العالي ورئيس مجلس الجامعة، وكذا سعادة الدكتور: سعود بن ناصر الريامي رئيس الجامعة، على ما تحث عليه الإدارة دوماً من إتاحة الفرصة لأعضاء هيئة التدريس والعاملين بالجامعة، لحضور المؤتمرات والندوات والملتقيات الثقافية المقامة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي. لما في ذلك من جُل فائدة تعود على الجامعة بأكملها.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أوجه كل الشكر لعميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية الدكتور: عصام الرواس على تقليصه للإجراءات الإدارية بين إدارة الكلية وإدارة الجامعة.
نبذة عن المؤتمر
إن الحضارات العريقة تنبثق من أساس يتشكل من منظومة الأسرة الشرعية الرامية نحو تأكيد وتقدير العلاقة الزوجية، بين الأب والأم، فضلاً عن أهمية دورهما في العملية التربوية وتوفير الحماية لصالح الأبناء، وأجيال المستقبل.
من هذه المنظومة القويمة انطلق مؤتمر الدوحة العالمي للأسرة بدولة قطر من 29-30 نوفمبر 2004م، والمؤتمر الذي أقيم بفندق (شيراتون) الدوحة تحت الرعاية الكريمة لحرم حضرة صاحب السمو أمير دولة قطر، سمو الشيخة: موزة بنت ناصر المسند رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة – هو في جوهره تلبية لترحيب الجمعية العامة للأمم المتحدة باستضافة دولة قطر للمؤتمر، وذلك في ختام الاحتفال بالذكرى العاشرة للسنة الدولية للأسرة.
شعار المؤتمر
لما كانت الأصالة والامتداد والعاطفة. دلالات تستند عليها المؤتمر، فإنه اتخذ سعف (أوراق) النخيل، شعاراً له. إذ من الوهلة الأولى نلاحظ أن الشعار ما هو إلا تمثيل لعنصر أصيل في البيئة القطرية، عنصر يوحي بأهمية الجذور والتواصل الامتداد (النخلة)، ومن ثم ليست ما تبحث عنه المؤتمر الأسرة الكائنة فحسب، بل التي تتكون من الأجداد والجدات والمسنين. كما ورد الشكل التركيبي للشعار بوجود ثلاثة أوراق نخيلية بأحجام مختلفة وانحناءات تعبر عن الكيان المطلوب للأسرة أسرة التضامن والتعاطف والتحاور بين أفرادها (الأم الأب والطفل)، والتعبير بالعدد ثلاث يتضمن سحر التجربة واكتمالها، بما ينطوي عليه رمزية العدد المنبثقة من المثل الشعبي (الثالثة ثابتة).
أهداف المؤتمر
إن المؤتمر الذي كان عبارة عن ملتقى دولي قد حوى شخصيات دولية بارزة في مختلف المجالات، إذ حضره نخبة من الأساتذة الأكاديميين والباحثين والسياسيين، وعلماء الدين والاجتماع وأعضاء المجتمع المدني من قبل مؤسسات ومنظمات حكومية وأخرى غير حكومية.
في حقيقة الأمر أهداف المؤتمر كثيرة تمثل أهمها في إيضاح الحاجة الماسة لتقوية الزواج، والحث على احترام الحياة الزوجية، فضلاً عن تعزيز الحياة الأسرية، وكذا التعاون لجمع أنشطة الجهات المختصة بشؤون الأسرة.
المحـاور
المؤتمر الذي امتد على مدار يومين من 29-30 نوفمبر 2004م حوى أربعة محاور:
المحول الأول: الأسرة في الألفية الثالثة “تحديات ورهانات” والمحور يتعلق بشكل مباشر بعلاقة الأسرة بالتنمية مؤكداً أن ربط التنمية بالعنصر البشري أمر لا مناص منه، كما أن الأسرة ككيان تنظيمي متطور تتطلب الحفاظ على الخصوصية مع الانفتاح على الآخر خاصة إذا ما نظرنا إلى التنمية من منظورها المعولم، وتحقيق هذا النوع من الأسرة ليس بالمطلب اليسير إذ يقتضي تشكيل ائتلاف دولي ينتقل بالسياسات الوطنية في مجال الأسرة إلى حقل عالمي.
المحور الثاني: ويختص بالقواعد الدينية والحقوقية لأسرة الألفية الثالثة: كما يعالج هذا المحور القواعد والأسس التي يجب أن تبنى عليها أسرة الألفية الثالثة في ظل مرجعيات دينية واجتماعية وثقافية تشكل قيم الأسرة وسبل تطويرها، كما ناقش المحور ضرورة تكاملية الأسرة وتحصين الأمومة والأبوة بوصفهما بناءً وطيداً وراسخاً للعلاقة الأسرية. وعلينا ألا نغفل قواعد الحق والمساواة.
المحور الثالث: الأسرة والتعليم، تضمن قضية التعليم باعتبارها تحدية رئيسية تواجه أسرة الألفية الثالثة، والمقصود بالتعليم ذلك النوعي الذي بإمكانه تحقيق حوار للثقافات والحضارات، حوار يسمح بتقارب الهوة التي تفصل بين المجتمعات المتقدمة والأخرى النامية. وعليه فالمحور ينطلق من واقع المفارقات التعليمية في العالم، مفارقات تُصرّح بالأمية ومن ثم من الضروري في العشرية المقبلة تحقيق الحق في التعليم النوعي الضروري لكل تنمية.
المحور الرابع: الأسرة وثقافة الحوار، غنى عن البيان أن نجاح أي مجتمع دولي يعتمد اعتماداً جيداً على ثقافة شاملة للحوار، الحوار كصورة جلية للديموقراطية، يقوم على قبول الاختلاف في الفكر ووجهات النظر إبتداءً بالأسرة وانتهاءً بالمجتمع، وهنا يأتي دور الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في بلورة سياسية واضحة تؤسس لثقافة الحوار بمقدوره تحقيق التوافق المطلوب بين البشر.
ملخصات مما قُدم
لما كان تزامنية الجلسات بقاعات سلوى (1، 2، 3) بفندق شيراتون الدوحة، تعوق دون متابعة كل الجلسات، فضلاً عن عدم إمكانية الحصول على الأبحاث وأوراق العمل المقدمة يعوق دون الحديث عنها باستضافة، فإنني أكتفي بتقديم نتف مختصرة وسريعة تحوي أهم ما سجله قلمي من أفكار وما تابعته من جلسات.
ففي اليوم الأول للمؤتمر 29 نوفمبر 2004م قدم سعادة عمرو موسى، الأمين العام لجامعة الدول العربية، (مصر) ورقة، ضمن حفل الافتتاح، تحوي المحور الأول، تحت عنوان (نحو سياسة دولية لحماية الأسرة)، مشيداً فيها بدور الدوحة في تنمية الحياة والأسرة محلياً ودولياً، وهو أمر ملحوظ من خطى التقدم في مجالات كثيرة من مجتمعات الدول العربية، بصفة خاصة في المجالس العليا والمنظمات غير الحكومية، وأن ما تلعبه قطر من دور يتعلق بشؤون الأسرة، يعد خطوة أساسية ذات بعد هام في عملية التحديث والتطوير في العالم العربي، كما ذكَّر سعادته أن العالم العربي بوصفه جزءاً من العالم الثالث يعاني نفس المثالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الموجودة التي يعانيها هذا العالم، الأمر الذي يجعلنا نجني سلبيات هذه المثالث في النزاع السياسي (العربي الإسرائيلي) فضلاً عن أزمة العراق، وقضية فلسطين. ثم عبر سعادته عن أمنيته في التحرك العربي نحو إطار التحديث الذي من المفترض ألا يتوقف في ابتكار الأساليب والمناهج المتعلقة بالتكوين الأسري بوصفها الخلية الأولى للمجتمع. كما أكد خطورة انفصام هذا التكوين عن مبادئ وأسس الأديان السماوية.
وتحدث عن مشكلتي الفقر والجوع اللتين تمثلان نقيصتين كبريين يمكنان أن تدمرا خطط التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لمعظم بلدان العالم. مشيراً إلى أهمية ضمان حقوق الإنسان والمساواة وتحقيق ذاتية المرأة فضلاً عن تحسين الوضع العام للصحة. كما أوضح ما تبلوره جامعة الدول العربية من هدف إقامة علاقات إيجابية بين مختلف المجتمعات في إطار العمل العربي المشترك، حيث يأتي السلام هدفاً رئيسياً في عملية التنمية من أجل مستقبل آمن تسوده العدالة.
وختم كلمته بعرض موجز عن دور جامعة الدول العربية في تنمية الأسرة العربية، مؤكداً أن هذا الدور ينص دوماً على شكل الأسرة الشرعية المكونة من زوجة وزوج وأولاد، على اعتبار أن هذا الشكل يمثل خلية ونواة أولى للمجتمع.
وتحت المحور الأول أيضاً، تحدّث سعادة الشيخ: حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية (دولة قطر)، عن (الأسرة والعولمة)، موضحاً في ورقته عن أهمية عمل المرأة لاسيما في المجال السياسي، والمشاركة الفعلية لها على كافة الأصعدة، إذ تعد المرأة – حقاً – أساس الأسرة التي هي أقدم المؤسسات الاجتماعية التي تحافظ وتضمن استمرارية القيم والأخلاق والعادات، ومن هنا يأتي أهمية دور الوعي لطبيعة الأسرة في علاقتها بالعولمة، وكيفية تأثرها بالتكنولوجيا والثورة المعلوماتية، فضلاً عن تأثير هذه الطبيعة على أنماط الحياة المعيشة، ومن المؤكد أن ظاهرة التأثر والتأثير يتفاوت نسبها بين مجتمع وآخر في بلدان العالم، والذي يتحكم في ذلك الهوية ومدى تماسكها واقترابها بالجذور الأصلية؛ (العادات والتقاليد والدين… إلخ).
كما لم يغفل سعادة الشيخ نقاط أخرى هامة منها: ضرورة تعليم المرأة من أجل تنمية دورها التربوي، فضلاً عن السعي الجاد نحو إيجاد علاقة مساواة بينها وبين الرجل، وأيضاً علاقتها بسوق العمل في المجالات المختلفة، وفي نطاق كل ذلك ألا يجب أن نغفل أن للمرأة دور مزدوج داخلي (بيتي)، خارجي (وظيفي) وأن في ظل محاولات الانتقال من الأسرة النواة إلى الأسرة الممتدة، يجب أن نضع في الاعتبار هذا الدور، كما يجب أن نعي ما يفرزه الواقع الجديد من مشكلات تأخر سن الزواج، وارتفاع حالات الطلاق، ومشكلات الإنجاب… إلخ، وأن نضع على رأس قائمة هذه المشكلات أن عملية الخروج أو الامتداد من الحلقة المحدودة للأسرة إلى الدائرة الأوسع والأشمل سَتُصْطَحَبُ دوماً بسؤال هام يتعلق بكيفية تحسين وتنمية وضع الأسرة.
وفي نفس الموضع السابق (الأسرة والتنمية)، تحدث د. جاري بيكر، أستاذ الاقتصاد بجامعة شيكاغو (الولايات المتحدة الأمريكية)، الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1992م، عن أن أهمية علاقة الأسرة بالتنمية تنبثق من أن معظم بلاد العالم محاطة بتغيرات كثيرة وسريعة، وأن هناك حالة من اللاتوازن يعيشها العالم بين معدلات الوفيات للأطفال وبين معدلات ولادتهم، إذ أثبتت الإحصائيات العلمية الدقيقة ارتفاع النوع الأخير، ومعنى ذلك أن هذه الحالة لابد أن تستتبع بخطط اقتصادية وسياسية عظمى، ولما كان معظم بلدان العالم لا تمتلك موارد اقتصادية عالية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية البحث عن الاقتصاد الحديث ودور هذا الاقتصاد، مؤكداً دور الاقتصاد الحديث ينحو إزاء امتلاك المعرفة والثورة المعلوماتية وأهمية غرسها بين أفراد الأسرة، إذ يعد هذا النوع من الاقتصاد استثماراً حقيقياً للأطفال، وهو مما يعني أن كل ذلك لابد أن يسبق بعناية صحية جيدة للأطفال وتعليم قويم.
كما أكد الدكتور: جاري بيكر عن أهمية دور المرأة في البيت، حيث إنه يمثل أساساً للشكل الصحيح للأسرة، وأن هذا لا يعني تهميشاً أو رفضاً لدورها خارج المؤسسة الأسرية، بل على العكس إذ تنبيهه لدور المرأة في البيت من منطلق التأكيد على فاعلية هذا الدور وأهميته، ولكونه كذلك لابد أن يوضع في اعتبار الدخل القومي، وأن يتجه هذا الدخل فيما يتجه نحو مساندة هذا الدور ودعمه، شأنه في ذلك شأن مساندته للمسنين والمحتاجين من أفراد الأسرة والمجتمع. وقد ختم كلمته مؤكداً أن ما يناشده هو ما يعطي للعلاقات الاجتماعية شكلها الروحي والإنساني والاقتصادي القويم.
ويتواصل الموضوع السابق مع الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا سابقاً، الذي ألقى كلمته واقفاً على المنصة لما لهذا الوقوف من راحة نفسية بالنسبة إليه – كما أفسر – موضحاً دور المؤتمر المختص بتنمية الأسرة، وأننا لابد أن نكون على وعي تام بخطورة كل المتغيرات التي تؤدي إلى تغيير المفاهيم والقيم التي يتأسس عليها الأسرة، وأن أياً خلل في هذه المفاهيم أو القيم يعني خللاً كاملاً لكيان الأسرة، ومن هنا نادى الدكتور مهاتير بضرورة ائتلاف الديانات والشعوب والأعراق، وأن نضع في الاعتبار المسببات المختلفة التي تؤدي إلى التغيير إذ أنها تعيننا في تقيم الأسرة العالمية، كما أن وجود الأسرة النواة (أي المكونة من زوجة وزوج وأطفال) يعد أمراً هاماً، بيد أن امتداد هذه الأسرة هو الأكثر أهمية. ولم يغفل د. مهايتر في ورقته أهمية البقاء على صلة الرحم، لما لهذه الصلة من ضمان للأسرة في الامتداد عبر التواصل بين جيلين السابق واللاحق، حيث يرى البعض صلة الرحم مسألة بديهية أو تقليدية لكن النظرة العميقة للبقاء على هذه الصلة، تبين أنها تمثل الخطوة الأولى نحو الامتداد بالأسرة والخروج بها من النطاق الضيق لها إلى الحيز الأوسع.
وإذا كان تعدد الزوجات يعد حقاً شرعياً مشروطاً، فإن اللجوء إليه لابد أن يتم ضمن نظرة دقيقة لإحصائيات الرجال والنساء في البلاد؛ إذ ربما استحواذ رجل على أربعة نساء قد يؤدي إلى وجود رجال بلا زوجات !!
كما أدان د. مهاتير محمد كل تعريف جديد للأسرة، غير منبثق من أصل شرعي وقال: أن هناك أسر جديد وليدة علاقات غير شرعية، وهي أسر أخذت بعض المجتمعات في الاعتراف بها، بل ودخلت هذه الأسر مفهوم العائلة، خاصة في الغرب الليبرالي، ليس هذا فحسب، بل وهناك أطفال يعدون ثمار علاقات عابرة، والكثير من هؤلاء الأطفال لا يعرفون آباءهم، وهو ما قد يؤدي إلى زيجات بين المحارم، لها آثارها السلبية.
وعليه فإنه ينبغي المحافظة والبقاء على العلاقات الأسرية القويمة المؤسسة على أصول العقيدة والقيم والأخلاقيات، وأن أصل الحضارات القوية قامت على أسس عائلية طورت ذاتها في ظل قيم دينية تحترم العلاقة الزوجية بصفة خاصة، هذا مع الوضع في الاعتبار أن الزواج بوصفه قيمة شرعية لا ينبغي أن يقوم على شعور غريزي إذ الغريزة لا تعد أساساً صالحة لزيجة منتجة ومستمرة. وأيضاً ينبغي ألا نغفل في مسألة تنمية الأسرة وتطويرها الأسر الموجودة في المجتمعات العشوائية أو المجتمعات التي يلازمها الفقر بصفة عامة، إذ ينتشر بينها ونتيجة للتكدس البشري، جنس المحارم واستغلال الأطفال جنسياً، فضلاً عن الشذوذ الجنسي، لذلك لابد من غرس قيم دينية تمثل التطور الحقيقي لدواخلنا، الأمر الذي له مرده في تهذيب ذواتنا وأخلاقياتنا.
ملحوظة: لاحظ أن عبارة الدكتور محمد مهاتير (أن أصل الحضارات القوية قامت على أسس عائلية طورت ذاتها في ظل قيم دينية تحترم العلاقة الزوجية بصفة خاصة)، عبارة سديدة في موضوعها ومن شواهد ذلك ذلك أن الحضارة الفرعونية وهي من أعرق الحضارات التي عرفتها البشرية كانت علاقة الزواج تمثل نواة أساسية في تكوين أسرها، وقد كان الزواج من أقدم أسر هذه الحضارة وارد بين الأخوان والأخوات، ثم في مرحلة متقدمة في الأسر اللاحقة من هذه الحضارة، والأكثر تطوراً تلاشت فكرة الزواج بين الأخوان والأخوات، وهذا التطور لم يكن ليحدث إلا في ظل تطوير الذات ضمن عقيدة ومفاهيم دينية خاصة بالحضارة الفرعونية.
وختم د. مهاتير محمد كلمته مؤكداً أن أي قصور يقع في مجتمعاتنا على كافة الأصعدة لا يعد قصوراً نابعاً من الدين الإسلامي كما يظن البعض، بل قصوراً نابعاً من داخلنا حيث إننا لم نستطع أن نطور ذواتنا من خلال التمسك الحقيقي بالدين، تمسكاً يصبح معه الدين نموذجاً نتطور من خلاله، لذلك لتبقى الأسس من القرآن والسنة لنتخلى عن الاختلافات بين المذاهب الإسلامية، إذ كل ذلك يعنينا على تكوين منظور ثابت إزاء الآخر (الغرب) وتقيمه التقييم الصحيح، كما أن هذا المنظور يعني كياناً أسرياً متيناً يتطلب احترام وتقدير الرباط الشرعي.
لذلك فإن الدكتور مهاتير يناشد مفكري الإسلامي، بضرورة الاجتهاد للوقوف إزاء صراع الحضارات، وثورة العولمة، وعليهم  أيضاً التفكير في إيجاد نماذج أسرية متطورة، تتسق في نفس الوقت مع طبيعة تعاليم الإسلام والمراحل الحديثة للتطور.
وآخر الجلسات التي تابعتها من اليوم الأول للمؤتمر جلسة الأستاذ عمرو خالد الداعية الإسلامية (مصر) الذي ارتجل كلمته باللهجة العامية المصرية! متحدثاً عن الزواج المستقر والتآلف الأسري. حيث أشاد بما حققناه من إنجاز ونجاحات في الأعوام الماضية، الأمر الذي يؤكد أن الإنسان مسؤول على إصلاح أرضه، وأن أهم الأراضي التي ينبغي على الإنسان (يقصد المسلم) إصلاحها أسرته، إذ من الضروري تحقيق السكينة الاجتماعية لها، وكي يتحقق ذلك لابد من التمسك بالدين الإسلامي والمحافظة على العادات والتقاليد والبحث عن الأصول، التي من ضمنها المرأة فهي أساس ونواة المجتمع، مستشهداً بقول الشاعر (الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراق)، ومن ثم فإن من الضروري تحسين وضعها برفع الظلم عنها؛ الظلم بكافة أشكاله، الإيذاء البدني الذي يقع على المرأة تحت اسم الإسلام، وفي حقيقة الأمر الإسلام برئ منه، إذ هو إيذاء ناتج من الموروثات والعادات والتقاليد السيئة.
كما نادى الأستاذ عمرو خالد بضرورة تشديد العقوبات المختصة بجريمة الاغتصاب، خاصة وأن في بعض المجتمعات الغربية كثيراً ما يفلت المجرم من العقوبة، وكذا أكد عمرو خالد أن المرأة العربية لا زالت تتعرض للإهانة الشديدة على الصعيدين النفسي والجسدي، مع أن ذلك يتنافى مع وصايا الإسلام بخصوص المرأة ووصايا الرسول الكريم مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (الرفق بالقوارير) وشارحاً معنى كلمة القارورة (الزجاجة).
وضمن حقوق المرأة التي نادى بها الأستاذ عمرو خالد في كلمته حقها السياسي؛ المشاركة في الانتخابات، فضلاً عن الوصول إلى المناصب العليا مشيراً إلى أن حرمان المرأة الشرقية العربية من هذا الحق طوال الأعوام الماضية يتنافى مع المكانة التي نادى بها الإسلام للمرأة وأكدها لها. وقد استنكر عمرو خالد من أن هذا الحق لم تناله المرأة العربية إلا قريباً طارحاً سؤاله في تعجب: هل نحن في حاجة إلى مؤثر خارجي يذكرنا بقيمة المرأة وعظمة مكانتها؟!! مع أن دينا قد نبه إلى ذلك منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.
وختم كلمته المرتجلة مؤكداً أن المرأة لا زالت مظلومة في العالم العربي والدليل على ذلك تفشي نسبة الأمية التي تصل إلى 60% من سكان هذا العالم، وأن 80% من هذه النسبة تتمثل في النساء، هذا فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة بين النساء، وتفضيل الرجال في مجال التوظيف. كما نبه إلى أهمية احترام كل شعب لهوية الشعب الآخر، وأن أي محاولة لطمس هوية أية شعب مآلها الفشل، فضلاً عن النتائج السلبية. وعبر عن أمله في الألفية الثالثة بتعميم الأسرة التقليدية بحيث تتواجد محلياً وعالمياً، وعلى مستوى الإسلام لا مانع من وجود حلول حداثية لتطوير الأسرة ولكن شريطة أن تتسق هذه الحلول مع القيم والدين الإسلامي.
ملحوظة: (حاولت قدر المستطاع صياغة و تلخيص ما ارتُجل بالعامية المصرية باللغة العربية الفصحى مع التقيد التام بمضمون الأفكار).
وبالانتقال إلى اليوم الثاني للمؤتمر وهو الثلاثاء الموافق 30 نوفمبر 2004م حيث تواصل فيه مناقشة المحور الثاني الذي بعنوان (القواعد الدينية والحقوقية لأسرة الألفية الثالثة).
قدم أ.د الشيخ يوسف القرضاوي العلامة الإسلامي ممثلاً (دولة قطر)، ورقة بعنوان:  نحو بناء استراتيجية لتحصين تكاملية الأمومة والأبوة، مؤكداً فيها أهمية العلاقة الزوجية بواصفها الأساس القويم للأسرة الشرعية، فالأديان جميعها تتفق على الأساس الشرعي للأسرة، كل في نطاق الخصوصية الخاصية لهوية كل دين (يهودي أو مسيحي أو إسلامي)، ومع اختلاف هذه الخصوصيات فإن الجوهر يظل واحداً، إذ أن جميع الديانات السماوية تنص على تهذيب النفس الإنسانية وتنادي بالقيم الإنسانية خلال أسرة مستقرة مكتملة قائمة على شرعية العلاقة.
وحول شرعية العلاقة الزوجية وأهمية ذلك أكد نيافة الكاردينال ألفونسو لوبيز نزوجيلو، رئيس المجلس البابوي بالفاتيكان (إيطاليا)، عبر نص توراتي قائلاً يقول الرب: (تقدموا وأكبروا وتعددوا في النسل والحياة)، مستشهداً بهذا النص على إدانة اليهودية لكافة أشكال الشذوذ الجنسي أو بما يسمى الزواج من نفس النوع، إذ أن الأديان جميعها تنبذه، كما أن التاريخ لم يعترف قط بهذا النوع من التوحد أو الالتقاء، وكيف يكون التكاثر والتعدد عبر زواج من نفس الجنس؟! وعليه فإن  أفضل استثمار للبشرية جمعاء هو الأسرة التقليدية، التي هي نتاج طبيعي لزواج ذكر بأنثى.
وأكد نفس المفهوم قداسة الباشنودة الثالث، رئيس المجلس الأعلى للكنيسة القبطية (مصر) عبر ورقته التي بعنوان: الأسرة الممتدة وكيفية نقل القيم، حيث عبر فيها عن أهمية الأسرة كنواة للمجتمع، والمجتمع ما هو إلا أسر كثيرة ومتعددة، ومن أجل تمديد كيان الأسرة الواحدة لابد أن نضع أمام أعيننا عناصر مهمة منها: الوراثة والتربية والتعليم.
ويقصد بالأولى التوافق بين الزوج والزوجة في الطباع والجانب النفسي للشخصية، وهو ما أطلق عليه الباشنودة بالشروط الروحية التي يجب توافرها في الزواج، إذ أن مجرد العاطفة ليست كافية لإقامة علاقات زوجية، وليس كل رجل أو امرأة أهلاً للزواج.
حيث إن الزواج علاقة قدوة ومسؤولية في المقام الأول، وأساس الزواج لابد أن يكون قائماً على التراحم واحترام الزوجين بعضهما البعض، ورعاية الزوج لزوجته، بصفة خاصة في المواقف التي تكون فيها الزوجة في أشد الحاجة إلى رعاية زوجها كأثناء شهور الحمل.
كما أن التسليم بالإيمان لابد أن يكون الأساس في تربية جيل الأطفال، إذ منه ينبع القيم والعادات الاجتماعية السليمة، حيث لا مجتمع صحي صحيح دون تعاليم دينية وعلمية واجتماعية، ونحن حين نفعل ذلك لابد أن نعرف أنه بهدف خدمة المجتمع.
وانتقل بعد ذلك قداسة الباشنودة إلى التربية، مؤكداً أنه يقصد بذلك إيجاد أجواء نفسية من التقارب من جيلين: الأمهات والآباء من جهة والأبناء من جهة أخرى، إذ أن هذا النوع من التقارب هو الذي يخلق علاقة الصداقة والمجال الحواري، فضلاً عن الصراحة والتقارب يطردان الخوف وكل أشكال العنف الإنساني، ويتيحان براحاً للآباء لمتابعة كل التفاصيل والتغييرات المختلفة الطارئة على أولادهم وبناتهم.
وبالنسبة للتعليم، استشهد قداسة البابا شنودة بآية من توراة موسى (صفر التثنية الإصحاح السادس)، مفادها أن من واجب المرأة والرجل تعليم أطفالهم، مؤكداً أن العلوم التخصصية قد تكون سهلة الحصول عليها من الجهات العلمية المختلفة، بينما غرس الفضائل والخلق وتدريب الأطفال عليها ليس بعملية يسيرة، إذ تحتاج إلى التعليم المستمر وملاحظة الأطفال على مختلف أعمارهم، وهنا يجب أن نعلم أن مهما بلغ أهمية العلوم الأخرى وقيمتها لا تستطيع أن تخدم المجتمع الخدمة الصحيحة، دون أن يكون الأخير يتمتع بقيم وأخلاقيات فضلى، ومن هذا المنطلق تتضح العلاقة بين التربية والتعليم، وعلينا أيضاً ألا نغفل عملية الموازنة بين التأصيل والتطوير أو بين الثوابت والمتحركات.
وختم قداسة البابا شنودة بقوله: وله المجد الدائم إلى الأبد (آمين) مؤكداً أن الرحمة في العلاقة الزوجية، تعني على المدى القريب أسرة رحيمة وعلى المدى البعيد مجتمع يتصف بالرحمة.
وآخر ما تابعته من جلسات المؤتمر جلسة الحاخام: دانيال لابن، رئيس منظمة “نحو التقاليد” بالولايات المتحدة الأمريكية. فالحاخام لم يختلف كثيراً في قوله عما ورد في محاضرات سابقية إذ أدان كافة أنواع الشذوذ في العلاقات وأنواع الجرائم، واستغلال النساء وعزز الأسرة التقليدية بواصفها أساس المجتمع… إلخ، ولكن هناك ما لفت انتباهي في قول الحاخام حين تكلّم عن الأسرة التقليدية الشرعية، متمثلاً في استناد الحاخام إلى أهمية مفهوم الزوجين (الأب والأم) في الأسرة. فقال: زمن الحاضر في النص التوراتي ليس له قيمة أو حضور فعلي بينما الماضي والمستقبل هما اللذان يعول عليهما، وعليه فإن أهمية وجود الأب في الأسرة أساس، من منطلق أنه المنبع والأصول والماضي والموروث والتاريخ، بعبارة أخرى هو الثابت الذي كان، والأم هي المستقبل والاستمرارية والغد فهي التي تعلم وتربي وتغرس الماضي (العادات والتقاليد… إلخ) في الأطفال. ومعنى هذا أن زمنية الحاضر في الأسرة ليس لها أهمية من حيث كونها أسرة كأنه أو موجودة، بينما أهميتها تنبع من حيث كيفية وجودها غداً، وهذه الكيفية لا يمكن أن توجد دون أساس ماض قويم (الأب) ومستقبل بناء (الأم).
التـوصيـات
إن مؤتمر الدوحة العالمي للأسرة. بتعددية جلساته ومختلف محاوره قد خلص إلى توصيات كثيرة لعل أهمها يتمثل في:
(1) الحث على رسم سياسات اجتماعية وتربوية تضمن الاستقرار الأسري، وتبتعد عن كافة أشكال التفكك، كما تدعو إلى التمسك بالقيم وضرورة تعزيز دور الأسرة وترسيخ المبادئ المتعلقة بالحياة الأسرية لاسيما تلك الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
(2) التأكيد على أن الأسرة هي الوحدة الطبيعية والأساسية للمجتمع لها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة والشرائع السماوية. وأن هذه الأسرة في الألفية الثالثة لابد أن ترسخ على التعليم الذي هو ضمان التقدم وضمان الأسرة السليمة مستقبلاً، كما لا تنفصل عن الموروث الاجتماعي والثقافي لأي مجتمع.
(3) إن أسرة الألفية الثالثة تنطلق من أسس ومقومات بناء الأسرة كما أرادتها الشرائع السماوية والفطرة الإنسانية وهي في ذات الوقت غير منفصلة عن الجهد البشري في عمليات التنمية من حيث صناعة الحاضر وهندسة المستقبل، وعليه فإن أسرة الألفية الثالثة هي ليست إعادة إنتاج فحسب، بل هي مرحلة تصبو إلى إدماج الأسرة ككيان حي لأجل بناء إنسان هذه الألفية وبناء غده الأفضل، ولن يتحقق ذلك إلا بمطالب أساسية يتمثل أهمها في ثقافة الحوار الذي بات من ضروريات بناء العلاقات السوية والسليمة سواء داخل المجتمعات أو بين الأمم. ذلك الحوار الذي يقوم على الاحترام وعلى التآخي وعلى قبول الاختلاف دون تفريط في الهوية التي بها تتكامل الثقافات وتصنع الحضارات.
على هامش المؤتمر
شاركتُ في مؤتمرات عديدة محلية وإقليمية وعالمية، بيد أن حضوري لهذا المؤتمر له وقعه ومذاقه الخاص بداخلي، إذ لأول مرة أكون في صحبة رقي فكري وأفقي وذوقي يتمثل في نماذج نسائية عُمانية مشرفة هن: سعادة المكرمة لميس الطائي عضو مجلس الدولة وسعادة المكرمة منى المنذري عضو مجلس الدولة والمستشار بمكتب معالي وزير التربية والتعليم، والأختان الفاضلتان: سرين القاضي المدير العام بوزارة التنمية الاجتماعية، ونوره الغساني رئيس جمعية المرأة بصلالة.
أجرتْ إذاعة الـ (BBC) البريطانية حواراً معي وبمشاركة سعادة المكرمة منى بنت محفوظ المنذري، للاستفسار عن رأينا في المؤتمر، فضلاً عن السؤال عن وضع المرأة بالسلطنة، وما هو المستوى الذي وصلت إليه؟ وهل هي في همومها وطموحاتها المختلفة تختلف أم تتفق مع بقية النساء في البلدان العربية؟ وما هي السياسات المختلفة التي ترسمها السلطنة مستقبلاً لمزيد من النهوض بالمرأة العُمانية وعياً وفكراً ومكانةً؟ فضلاً عن أهم الملامح والتفاصيل التي ترسم هوية الأسرة العُمانية.
قيل لي أن للداعية الإسلامية عمرو خالد، جاذبية ميتافيزقية أو روحية – إن جاز التعبير – ومن ثم تنقاد إليه جماهير الشباب من المسلمين لاسيما الشابات، والنساء منهم، إذ تأثيره عليهن ساحراً، فقررتُ أن أتابع كلمته وأسلم عليه بيدي، وأحاوره حواراً طويلاً بعد الجلسة، فلم أجد  شيئاً من ذلك.
وبقي سؤالي الذي أرفعه إلى الجهات واللجان المعنية بالمؤتمر: أجفت أرض الكنانة ودولة سبعة الآلاف سنة من مفكري الإسلام ودعاته ؟ فصَفْصَفَتْ مصر (عمرو العاص) على (عمرو خالد) كي يمثلها بالعامية في مؤتمر عالمي !! (وا إسلاماه).

Posted in Uncategorized | Leave a comment

لقاء على الهواء

Hisham SaleemYousra

قد يبدو غريباً أن أناقش الآن دراما تلفزيونية عُرضت خلال شهر رمضان الكريم، حيث انقضى الموسم منذ فترة، وتناولت مختلف الأقلام المسلسلات المعروضة خلال الشهر الفضيل بالتعليق والانتقاد فضلاً عن شراسة اللفظ التي قد تصل إلى حد التجريح الشخصي للفنان. الأمر الذي لا أستصيغه على الصعيدين الإنساني والأخلاقي.
فبعيداً عن أسلوب الهجوم أود تناول مسلسل (لقاء على الهواء) بموضوعية تهدف نحو الوقوف على أهم المنحدرات التي أربكت من حركة الصعود الدرامي للعمل، فضلاً عن المنعطفات المختلفة التي أضعفت الاتجاه الصحيح للدراما إلى المشاهد، ومن ثم نشأت فجوة واسعة بين الطرفين ترتب عليها مساحة اغتراب عجز فيها المسلسل عن جذب المشاهد واحتوائه، كما فشل الأخير في استيعاب وتذوق مفردات العمل، فبدى العمل بأكمله خالياً من العمق الفني والإيحاء الدرامي والتأثير النفسي.
(لقاء على الهواء) دراما تلفزيونية من إنتاج العدل جروب، قصة وسيناريو وحوار محمد أشرف، إخراج محمد النجار، تصوير وإضاءة سينمائية محسن نصر، موسيقى تصويرية وألحان خالد حماد، بطولة الفنانة: يسرا وبمشاركة الفنانين: هشام سليم، حسن حسني، سامي العدل، طارق التلمساني، فضلاً عن باقة من نجوم التلفزيون.
ومنذ المتابعة الأولى للدراما يتضح للمشاهد ما يطرحه العنوان (لقاء على الهواء) من تنوع دلالي ينم عن وجود المذيعة (لقاء) في برنامج تلفزيوني يُنقل مباشرة على الهواء، كما يحوي العنوان دلالات استضافة لضيف في برنامج على الهواء، فضلاً عن التأكيد على معاني الجمع في لقاء مباشر بين الجمهور وبرنامج (كلامي أو حديثي) Talk Show يذاع أسبوعياً.
ومن هذه التيمة الدلالية اتخذ المؤلف فكرة البرنامج مجالاً خصباً، وأرضية واسعة لطرح كل القضايا الشائكة في المجتمع المصري، والتي في تقديري لا يختلف الكثير منها عن مثيلها الموجود في بعض المجتمعات العربية، فكان أهم ما طرح قضايا الفساد للخُلق الإنساني، وما يستتبع ذلك من اضمحلال الضمير والأمانة كقيمة، ومن ثم لا مانع من توزيع وبيع المواد الغذائية الفاسدة على المجتمع، ونفاد تاريخ صلاحيتها لا يمثل عائقاً لتسويقها، كما لا يعوق نفاد تاريخ صلاحية بعض المستلزمات والمعدات الطبية من توظيفها لعلاج المرضى لاسيما الفقراء منهم. كما تطرح الدراما قضية المبالغة في استخدام المبيدات الزراعية والهرمونات المختلفة وما يستتبع ذلك من آثار صحية سلبية قد تصل إلى حد الإصابة بالأمراض الخبيثة، وتتواصل قائمة الفساد بقضايا فنية كتفشي الفن الهابط لاسيما المبتذل من أغاني (الفيديوكليب)، وأخرى تربوية تجسد خلل العلاقات الأسرية متمثلاً في الخيانة الزوجية والزواج النفعي القائم على تبادل المصالح، بالإضافة إلى التجاوز الخلقي لفظاً وسلوكاً وفعلاً من قبل الأبناء في تعاملهم مع ذويهم، هذا فضلاً عن استغلال الآباء لأبنائهم لصالح مصالحهم الشخصية المادية البحتة.
وفي ظل القائمة الطويلة من المساوئ والسلبيات تطرح الدراما خطاً رومنسياً راسماً في حركة صعوده وهبوطه مثلثلاً يجذب كل طرف فيه ذاكرة المشاهد نحو مرجعية الحب والرومانسية في أفلام الأربعينيات والخمسينيات، حيث تشابك الأطراف الثلاث واجتماعها على تأكيد فكرة الرومانسية بوصفها قيمة وفلسفة، وعليه كان وجود الصديق المحب الصبور والمسخر كل إمكانياته المعنوية والمادية من أجل راحة محبوبته، فضلاً عن العاشق الذي يظل عشقه أسير الصمت نتيجة لافتقاره إلى الإمكانيات، والذي على استعداد تام بأن يضحي بحبه من أجل راحة محبوبته، وضمان الحماية والحياة الكريمة لها. اتساقاً مع مبدأ (ضحيت هانايا فداه وحعيش على ذكراه “محمد عبدالوهاب”)، وأخيراً الحبيبة أو المعشوقة التي تتأرجح وتتخبط في مشاعرها بين الاثنين لتستقر على الأخير لا لسبب بعينه سوى أن مع الحب تنتفى الأسباب والمبررات.
وبالرجوع إلى القضايا المطروحة على مستوى النص المكتوب نلاحظ أن جميعها أو بعضها كان كافياً أن يكسب العمل الدرامي خصوصيته الفنية، خاصة في ظل توافر أداء تمثيلي رائع ومميز، لاسيما من قبل النجمة الفنانة: يسرا التي أدت الدور لشخصية (لقاء) الإعلامية ببساطة وبتلقائية لا تخلوان من تأكيد لجوانب الشخصية الداخلية والخارجية فضلاً عن عمق مؤثر، كما أدى الفنان: هشام سليم لدور العشيق والجار (عمر) باجتهاد واضح استطاع أن يثير شفقة المشاهد وتعاطفه بما فجره في الشخصية من جانبين: رجولي وطفولي، والفنان: حسن حسني مثل دور (غريب بيه) رجل الأعمال المشتبه في أعماله التجارية والشرير في سلوكه، ففي أدائه جمع بين الجانبين: التراجيدي والكوميدي للشخصية.
والفنان: طارق التلمساني جسد الدور بهدوء يتسق مع طبيعة شخصية (سليم) الصديق العاشق المضحي دوماً. ومي عز الدين التي قامت بدور (شهد) ابنة رجل الأعمال غريب بيه، استطاعت أن تؤكد للمشاهد قدرتها على النوع الأدائي، ومن ثم إتقان تمثيلي يؤهلها للصعود نحو النجومية بخطى ثابتة.
إذاً كل ما سبق كان أهلاً لنجاح هذا العمل الفني بيد أن هناك خلل ما وقع في تضافر عناصره الفنية، فبدى الكثير منها في استقلالية تفتقد الترابط الحلقي، وبإمعان النظر في مواطن الخلل نجد أبرزها يتمثل في التالي:
إن الشخصية النموذجية والمثالية للإعلامية (لقاء)، أدتها يسرا بجمال فني، بيد أن الملامح والتفاصيل الدقيقة للشخصية لم ترسم بحدة وبوضوح، بحيث تستطيع هذه التفاصيل أن تحول دون شعور المشاهد بتكرار النمط. لاسيما وأن هناك تشابه بين قالب هذه الشخصية، وبين شخصيات أدتها يسرا سلفاً مثل: حياة الجوهري وملك روحي وغيرها، وإذا كان مبدأ التكرار له ما يبرره واقعياً، متمثلاً في أن يسرا نجمة لها قاعدة جماهيرية عريضة، ومن ثم ضمان تأكيد تأثير الكلمة ومبدأ القيمة والخلق على المشاهد لاسيما عبر شهر وجهاز يضمنان كثافة الحضور. بيد أن كل ذلك لابد أن يتم بحذر شديد حتى لا يوقع المشاهد في شعور التلقين المتكرر، لاسيما وأن هناك تقارب زمني (نسبياً) بين هذا العمل والأعمال الدرامية السابقة، والتكرار لم يقف عند الحد السابق، بل تواصل أيضاً مع فنانين آخرين هما: حسن حسني وسامي العدل، الأمر الذي أراه لم يكن له تأثيره السلبي على شعور المشاهد فحسب، بل على الفنان نفسه إذ جعله أسير دور شبيه بأدواره الرمضانية السابقة.
بعض الشخصيات وردت في العمل الفني غير مقنعة للمشاهد، ولا منطقية في تحولاتها الداخلية، إذ كيف لشخصيات مثل شخصية رامي وشهد وعمر، تتحول من قمة اللامبالاة والإغداق على المخدرات والخمور. إلى أقصى الجدية تتأثر بكل ما حولها؟ مما أشعر المشاهد بوجود عصى سحرية وراء هذا التحول. هذا فضلاً عن أن بعض هذه الشخصيات جاء مقحماً على العمل الدرامي كشخصية (شهد)، فلم يكن ما يبرر وجود هذه الشخصية في معظم الحلقات، سوى تفجير ضحكة المشاهد إثرا سماع الحوارات الفجة التي تقع بينها وبين أبيها (غريب بيه)، وفي حقيقة الأمر أن وجود شخصيات مثل (شهد) لا يمثل ظاهرة على الإطلاق في المجتمع المصري، وهو ما يجعلني أتساءل عن السبب وراء التركيز على المَشاهِد التي تجمع بين شهد وأبيها، لاسيما وأن مضمون الحوارات في تلك المَشاهِد يكاد يكون مطابقاً. أما الفنان حسن حسني فقد أدى دور غريب بيه بطبيعة خاصة، لكن الإصرار على إضفاء الجانب الكوميدي على الشخصية أفقدها جديتها، ومن ثم مصدقيتها وواقعيتها، فبدت الشخصية كاريكاتورية كوميدية الطبع، (اللص الظريف).
بعض الأحداث وردت ممطوطة عبر العمل الدرامي فاحتلت مساحات زمنية كان المشاهد في غنى عنها منها على سبيل المثال لا الحصر، حدث وقوع البطلة (لقاء) في أيدي قطّاع الطرق ومحاولتهم ابتزاز الأطراف المختلفة، وكذا حدث وجود (لقاء) في البيت القروي وما ستتبع ذلك افتعال حدثي طويل وممل، هذا فضلاً عن مبدأ توظيف المشاهد الإضافية كمشاهد رقص (نانسي) الفنانة: سمية الخشاب أمام غريب بيه وغير ذلك من المشَاهِد.
ومن المؤكد أن ما سبق لم يمثل كل سلبيات الحدث الدرامي بل ورد على أرسها أسلوب المعالجة المؤسس على مبدأ التراكم للحدث، فما ينتهي حدث حتى يتولد آخر دون ربط محكم فنياً وجمالياً، وهو ما أدى بانزلاق العمل بأكمله في منحدر الحشد المشهدي وتخمة السياق.
الحدث الدرامي حاول جاهداً أن يطرح الرومانسية كقيمة مفتقدة، ومن ثم كان توظيف الشرفة (البلكونة) وحدة مكانية الغرض منها إشباع المشاهد بكل دلالات التواصل الإنساني عامة والرومانسي خاصة، وعليه كان الارتكاز على مفردات بعينها كمفردة (المشبك الخشبي) بوصفها وسيلة للنداء على الآخر والتواصل معه من خلال رمي المشبك على النافذة وهي عملية تعد بدائية في زمن تهيمن عليه كل سبل التكنولوجيا، هذا فضلاً عن مفردات ورموز أخرى مثل: أغاني أم كلثوم مما أعطى الرومانسية بوصفها قيمة بعدها الصوتي والزمني والمكاني والبعد الأخير أُكد بالتركيز على الفضاء الحدثي (حي الزمالك) رمز الرومانسية وملتقى العاشقين في زمن ما في مصر، وللتأكيد على هذه الزمنية لاحظنا انعدام كل المؤثرات الصوتية الواقعية كضجيج السيارات وضوضاء الشارع من المكان ، ليحل محلهما السكون الذي كان الغرض منه إضفاء المشاهد بشعور الراحة النفسية.
ومما لا شك فيه أن كل ما سبق كان من المفترض أن يكون لتوظيفه أثره الفعّال على المشاهد، بيد أن هذا التوظيف جاء باهتاً ضعيفاً فنياً لاعتبارات عدة أهمها: أن شخصية (عمر) الفنان هشام سليم، الذي مثل شخصية العاشق الولهان الذي على استعداد تام أن يضحي بكل مشاعره من أجل سعادة محبوبته (لقاء) يسرا، جاءت هذه الشخصية بما لديها من جانب اللامبالاة وإدمان الخمرة والمخدرات- غير مستقة مع نموذجية شخصية العاشق في الثقافة المرجعية للمشاهد، ومن ثم فشل الأخير في التواصل معها عاطفياً ورومانسياً. وكل ما هنالك أن الشخصية أثارت إشفاق المشاهد عليها. كما أن اللقاءات بين (لقاء) و(عمر) عبر الشرفة جاءت ممطوطة خالية من التصاعد الدرامي، مما أفقد الشرفة بوصفها مكاناً قدرتها على تفعيل شعور المشاهد وخياله كي يتجاوز الحدث زمنياً، ومكانياً. وظلت الشرفة أسيرة دورها التقليدي، خلفية صامتة تستقبل الحدث.
مع كل الاحترام والتقدير للإعلامية المشهورة (د. هالة سرحان) إلا أن ورودها كضيفة شرف في إحدى الحلقات، لم يكن موفقاً فنياً، لاسيما وأنه معروف اجتماعياً أن للإعلامية المشهورة ساحة بغض. الأمر الذي هبط بموضوع الحلقة وحوله إلى نوع من الرد المباشر من قبل د. هالة سرحان على أعداء النجاح؛ هذا مع الوضع في الاعتبار أن هذه الحلقة بما فيها من اتساق فني مع الحدث الدرامي، من منطلق أن موضوع الدراما يتناول إذاعة برنامج بعينه عبر قناة فضائية والواقع والمجتمع قد نالا من المذيعة المشهورة والخاصة بالبرنامج، كل ذلك كان أهلاً لنجاح الموقف الدرامي لولا التوظيف الذي جاء مباشراً للغاية.
ولما كان المجال لا يتسع لطرح عناصر أخرى أهبطت بالمستوى الفني للدراما وهو ما يتمثل في بعض المشاهد بما فيها من إضاءة وتصوير ومونتاج … إلخ، فإنني أكتف بعنصر واحد أخير وهو الموسيقى التصويرية، إذ وردت على خلاف ما ألفناه من ألحان خالد حماد، حيث لم تكن الموسيقى في هذه المرة سوى زخرفة سمعية، فغاب عن المشاهد الحضور الفعلي لجملتها التي تعد ضمن أساسيات الكشف عن العمق الفني للدراما، إن لم تكن ركيزة أساسية من ركائز الحكم على نجاح العمل أو فشله.

Posted in Uncategorized | Leave a comment

عفواً إنها ليست سيرة ذاتية ولا الأولى من نوعها

اطلعت على العرض الشيق الذي قُدّم يوم الأربعاء الموافقة 10 نوفمبر 2004م، بجريدة عُمان، ملحق شرفات، عدد 102 صفحة 15. بقلم الزميلة الأخت والصديقة طاهرة بنت عبدالخالق اللواتي. والموضوع الذي ورد تحت عنوان (رحلتها مع السرطان: سيرة ذاتية لمعاناة امرأة مع المرض الخبيث) تناول عرضاً لبعض مقاطع الكتاب الذي هو من تأليف حسين عبدالخالق بن نجف اللواتي، فضلاً عن تعليقات جانبية أوردتها صاحبة المقال.
وبداية أو أن أؤكد أن القليل الذي قرأته من مقاطع الكتاب عبر مقال الفاضلة طاهرة، استطاع حقاً أن يلمس وجداني بحميمية يتيسر معها أن أقول: إن الكتاب عبارة عن تجسيد حي لمعاناة واقعية عبر لغة بسيطة استطاعت أن تفجر كل الآلام النفسية والجسدية التي طاردت الزوجة (حكيمة) عبر الرحلة الشائكة والطويلة مع غول السرطان إلى أن أسلمت روحها إلى بارئها.
بيد أن هناك عدة وقفات تتعلق بالكتاب وموضوعه أراها تستحق التعليق، فبداية من العنوان (رحلتها مع السرطان سيرة ذاتية لمعاناة امرأة مع المرض الخبيث)، الذي يتضح منه الخطأ السردي وازدواجية الدلالة. فكيف أن تكون لفظة (الرحلة) حاوية لضمير الثالث الذي هو ضمير الغائب (الهاء) في (رحلتها) وأن يكون موضوع الكتاب سيرة ذاتية؟ إذاً الكتاب عبارة عن سيرة للآخر ومصطلح (سيرة الآخر) مصطلح وارد ومعروف في مجال الكتابات الأدبية وكتابات السير بصفة خاصة، حيث إن هناك السيرة النبوية والسيرة الشعبية، والسيرة الذاتية، وسيرة الآخر.
ومما يؤكد ما أذهب إليه أن المقاطع الواردة عن الكتاب تنصب جميعها على وصف الزوج الكاتب (عبدالخالق) عن آلام ومعاناة زوجته، ولم يكن موضوع الكتاب الرئيسي وصف الزوج لمعاناته النفسية إثرا مرض زوجته.
كما أن السيرة الذاتية هي السيرة التي يكتبها الشخص بنفسه عن يومياته أو تجارب حياته، كسيرة (الأيام) للدكتور: طه حسين، أما الموقف هنا يختلف تماماً إذ أن الذي دون وكتب هو الزوج سارداً وحاكياً عن زوجته، ولم تقم حكيمة الزوجة بتدوين رحلتها مع مرض السرطان. هذا فضلاً عن أن نوعية السرد عبر المقاطع تمت بضمير الغائب وهو الضمير المعبر عن الآخر.
وإذا كان كاتب الكتاب بوصفه زوجاً أراد توظيف مصطلح السيرة الذاتية مجازاً للتعبير عن مدى التوحد الروحي والنفسي بينه وبين المرحومة زوجته، كان لابد أن يشير إلى ذلك في مقدمة الكتاب مبيناً للقارئ إدراكه للفرق بين السيرتين (الذاتية والآخرية)، وتوظيفه للأولى جاء على سبيل المجاز.
وتواصلاً مع مصطلح السيرة الذاتية الذي ورد مع عنوان الكتاب أقول أنه استوقفني على كل المستويات. إذ أن توظيف المصطلح قد يبدو هيناً بالنسبة للقارئ، وتعليله لن يتعدى أن يكون مصطلحا أدبيا وظف في غير سياقه. ولكن بإمعان النظر في المقدمات التي سبقت الإعلان عن الكتاب، نجدها جمعاً تبشر بخطى الانزلاق في سحيق اللامبالاة المعرفية والتي يستتبعها حقاً خطورة فكرية وأخرى معرفية.
ذلك لأنني إذا ما افترضت أن مؤلف الكتاب غير متخصصاً في مجال السرديات الأدبية، وعليه وظف المصطلح بلا دقة منهاجية. فإنني كعضو هيئة تدريس أو حتى باعتباري قارئ عادي أو مثقف لي الحق السؤال في كيفية مرور هذا الخطأ الفادح عبر القنوات والمراحل المختلفة، والتي تتمثل في التالي:
أولاً: طاهرة بنت عبدالخالق اللواتي، أخت الكاتب باحثة وطالبة ماجستير بقسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية جامعة السلطان قابوس. لديها بما درسته من فصول تأسيسية في مجالي الأدب واللغة (ما يقرب السنتين) وهي المرحلة التي يطلق عليها مرحلة ما قبل الشروع في كتابة البحث. أليست هذه المرحلة كانت كافية لها للتفريق بين السيرة الذاتية وسيرة الآخر، ومن ثم تصحيح الخطأ. حتى لو كان تخصص الأخت طاهرة في مرحلة الليسانس ينصب على مجال غير الأدب العربي.
ثانياً: الكتاب طبع بسلطنة عُمان، مسقط، بالمطابع الذهبية وله رقم إيداع، ومعنى هذا أن الكتاب قبل طباعته قد حصل على موافقة بالطبع من الهيئات المعنية، ومر على الجهات الرقابية المتخصصة فأين دور الرقيب المتخصص ؟ فضلاً عن أين ثقافته العامة التي تسمح بتصحيح مثل هذه الأخطاء الفادحة ؟
ثالثاً: تم الإعلان عن الكتاب عبر جريدتي الوطن وعُمان فور صدوره ولم يلتفت أحد من العاملين (المثقفين) بالجريدتين إلى هذا الخطأ، ليس هذا فحسب بل ويفرد ملحق شرفات (الثقافي) – المتخصص في الأغلب الأعم في نشر الموضوعات الأدبية – صفحة كاملة بذات العنوان ببنط عريض، إذاً أين دور المسؤول عن الملحق؟ المثقف والمتخصص في الأدب العربي، وأخص بالسؤال الزميلين محمد الرحبي، ومحمد الحضرمي. لم أقرأ تعليقاً واحداً ولا تصحيحاً من قبلهما.
رابعاً: النادي الثقافي مرآة الحركة الثقافية، الواقعة تحت مظلة وزارة التربية والتعليم يصدر دعوات لحضور حفل تدشين الكتاب يوم 9/11/2004م حاوية نفس الخطأ وتتضمن الدعوات اسم مسؤول!! فأين دور المتخصصين في الوزارة؟ وأين الدور المعرفي للنادي؟
أليست كل المراحل السابقة تجعلنا نقف وقفة متأنية لإعادة النظر في ذواتنا والانتباه إلى ناقوس الخطر حتى نفيق من سُبات الإهمال المعرفي واللامبالاة الفكرية, اللتين لا تعكسان ما نحن فيه، بل أيضاً تثيران استياء الآخر وربما سخريته منا.
قارئي العزيز تابع معي ما ورد من تعليق بقلم طاهرة اللواتي عن الكتاب إذ تقول: (إنه الكتاب الأول من نوعه في عُمان، بل وفي كل الخليج العربي، ويقدم كافة المعلومات الطبية الهامة عن العلاجات الحديثة المتوفرة للشفاء من المرض ويمتاز بأنه يقدم لأول مرة في منطقتنا العربية والإسلامية التفاصيل الخاصة والحميمة والأسرية للمريضة…)، ملحق شرفات عدد 102، ص15.
إن مثل هذه المبالغات الرنانة دوماً تثير انتباهي وأتساءل لماذا نلجأ إلى عبارات مثل: الأول منه في الشرق الأوسط والأول منه في المنطقة، ويعد الأول منه ويقدم… إلخ؟
ألا يكفي أن يكون للكتاب قيمة بما يحوي من معلومة وفكر دون أن يكون (الأول منه)، وإذا ما تتبعنا واقعياً الأمر في مثل هذه الحالات يتضح لنا أنه لا يمثل سبق ولا هو الأول من نوعه، لا محلياً ولا خليجياً ولا عربياً.
إذا غنى عن البيان أن أول كتاب صدر بالسلطنة وحوى موضوع معاناة مرضى السرطان بكلمات حزينة مؤلمة، كان عبارة عن ديوانين شعريين لنصرة العدوي التي فقدت إحدى ذويها بنفس للمرض الخبيـث، فالديوان الأول صـدر باللغـة الإنجليزية تحت عنوان (أفكار مجموعة) (Collective Thoughts) وقد حوى مجموعة من القصائد الشعرية تعكس مأساة معاناة مرضى السرطان لاسيما الأطفال، وقد دعمت الشاعرة ديوانها بمجموعة رسومات لأطفال تتراوح أعمارهم ما بين الخمس سنوات والست عشرة سنة، وهي رسومات جميعها تعبر عن أمنية مريض السرطان في التجاوز المكاني والزماني. وجدير بالذكر أن الديوان الذي صدر في بدايات عام 2002م، قد تناولته الصحف المحلية العربية بالتقديم والتحليل، فضلاً عن صحف إنجليزية محلية وأخرى خارجية.
أما الديوان الثاني الذي بعنوان (Within Myself) وقد ترجم إلى اللغة العربية، تحت عنوان (بين حنايا أضلعي، القوة الدافعة للحياة لتخطي مرض السرطان)، قد در الديوان إبان شهر مايو 2004م، وأقيم له حفل تدشين مهيب بفندق (حياة ريجنسي)، تحت إشراف الجمعية الأهلية لمكافحة مرض السرطان التي ترأسها يوثر الرواحي إحدى من عانين من المرض. وكان الحفل في 22 مايو 2004م، تحت رعاية سعادة الدكتورة منى الجرداني، وكيل وزارة التربية والتعليم.
وبالرجوع إلى الديوان الذي ترجم بأكمله إلى اللغة العربية ودعم من قبل هيئات وشركات القطاع الخاص شأنه في ذلك شأن الديوان السابق، نلاحظ أن الديوان لم يحو فقط قصائد شعرية تعبر عن أحاسيس المعاناة، بل رسائل كتبت بقلم مريضات السرطان وردت على هيئة مقاطع من سير ذاتية مختصرة ومركزة على المرض ووقعته النفسية، وموقعة مجازياً بعبارة (ناجية من مرض السرطان) من هذه الرسائل على سبيل المثال لا الحصر: رسالة تحت عنوان: لست أسيرة المرض، وأخرى بعنوان: رسالة أمل، وثالثة بعنوان: منعطفات على طريق الحياة. راجع الديوان من صفحة 4-16.
وكلمة حق لابد أن أعلنها عن الشاعرة أنها تبرعت بكل ريع الديوانين لصالح مرضى السرطان. والديوان الأخير الذي تناولته الصحف المحلية العربية والإنجليزية بالعرض قد نفدت طبعته الأولى، وأعيد طباعته مرة أخرى ليباع لصالح مرضى السرطان في الاجتماع واللقاء الأخير الذي عقدته الجمعية الأهلية لمكافحة مرضى السرطان وكان ذلك في يوم الاثنين الموافق 11 أكتوبر 2004م بفندق (هوليدي إن) القرم، وتحت رعاية سعادة سيف الرواحي وكيل وزارة الصحة لشؤون ؟؟؟؟؟؟؟؟ وقد انصب هذا الاجتماع حول فكرة أساسية هي الطرق الحديثة لعلاج السرطان ونسبة تفشي المرض وأسبابه.
إذاً ما أريد الوصول إليه أن مسألة التعبير أو التجسيد للألم والمعاناة السرطانية قد تمت على مستوى الساحة المحلية من قبل كتاب (رحلتها مع السرطان) عبر كتابين قد يختلفان في النوع من حيث إنتمائهما إلى الجنس الشعري وانتماء كتاب (رحلتها مع السرطان) إلى جنس السرد النثري، ولكن هناك اتفاق تام في الفكرة والموضوع، ليس هذا فحسب بل مقاطع من السيرة الذاتية توافرت بمعناها الدقيق في الديوان الثاني لنصرة العدوى.
وإذا كنا نتكلم عن سيرة ذاتية تحوي مأساة مريض السرطان فمن المؤكد أن انتفاء وجود دراسة وثائقية تاريخية حول وجود هذا النوع من السير أو عدم وجودها في منطقة الخليج ينتفى معه القطع إذا كانت سيرة الآخر في كتاب (رحلتها مع السرطان) هي الوحيدة أو الأولى من نوعها في المنطقة، لاسيما وأن على مستوى الوطن العربي توافرت سير ذاتية حوت يوميات وذكريات أصحابها عن مرض السرطان منها على سبيل المثال لا الحصر سيرة الكاتب الكبير سعد الدين وهبه, الذي توفي مصاباً بذات المرض والتي وردت تحت عنوان (معارك آخر العمر)، نشرت بجريدة الإهرام، وباستطاعة القارئ الاطلاع على مقاطع من مقالات تلك السيرة مدونة بقلم الكاتب سعد الدين وهبة منشورة ضمن كتاب (ذكرياتي) لعملاقة المسـرح العربي الفنانة سميحة أيوب: راجع الكتاب، طبعة القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مهرجـان القـراءة للجميـع، أدب السيـرة الذاتية، ط1، 2003م، صفحة 410-426.
أما بخصوص ما ورد من تعليق الأخت طاهرة اللواتي أن ضمن مبررات اعتبار الكتاب الأول من نوعه، أن الكتاب حوى (كافة المعلومات الطبية الهامة عن العلاجات الحديثة المتوفرة للشفاء من المرض، ويمتاز بأنه يقدم لأول مرة في منطقتنا العربية والإسلامية التفاصيل الخاصة الحميمة والأسرية للمريضة).
فإنني أقول عفواً للصديقة العزيزة. إذ الكل يتذكر اللقاء الكبير الذي وقع بين مَنْ ناجين من مريضات السرطان (سرطان الثدي) وبين عامة الجمهور والأطباء، والعالمين بالمستشفيات المختلفة، وأستطيع أن أجزم بأنه كان اللقاء الأول من نوعه على الساحة المحلية، وقد نقل هذا اللقاء الذي امتد لمدة ساعتين بمعهد العلوم الصحية بالوطية، بالصوت والصورة وذلك في 14 مارس 2002م، وتم توزيع نشرات طبية بسيطة حاوية لطرق كشف مرض سرطان الثدي فضلاً عن خطوات العلاج الحديثة، وقد وردت النشرات تحت عناوين مثل: (التوعية لسرطان الثدي) (أفحص ثديك باستخدام هذه الخطوات) وغيرها من النشرات، وأثناء هذا اللقاء تكلمن مريضات السرطان في حوار مفتوح وبلا حرج مع عامة الناس من الجمهور، عن كل مراحل المعاناة المختلفة التي مررن بها، ومنهن على سبيل المثال لا الحصر يوثر الرواحي وفوزية الكندي ود. سلمى اللمكي.
وجدير بالذكر أن اللقاء كان من الحيوية والصدق الإنساني مما حرك وسائل الإعلام السمعية والمقروءة فنقلت اللقاء بتفاصيله، وللتأكد من المعلومة راجع على سبيل المثال جريدة الوطن صفحة المحليات (في مواجهة جريئة مع السرطان ملتقى إنساني…) الصفحة الرابعة، يوم السبت الموافق 16 مارس 2002م.
وللوقوف على مقاطع من كلمات المرضى أثناء هذا اللقاء راجع مقالي بجريدة الوطن تحت عنوان (الملتقى الإنساني بين الأمل والألم) الصفحة الثالثة والعشرون، يوم الثلاثاء، الموافق 19 مارس 2002م.
وختاماً كل ما أريد الوصول إليه هو أن تتبع الدقة في رصد المعلومة لاسيما وأننا نتحدث في مجال ثقافي، فضلاً عن التأكيد على عدم إجحاف حق الآخر أو الآخرين، لاسيما وأن هذا الآخر قد قطع شوطاً طويلاً بجهود تطوعية بحتة يفوق وصفها، مدروسة فكرياً ومؤيدة من قبل قطاعات وهيئات مختلفة أهلية ورسمية، ولما كانت القائمة طويلة لذكر أسماء تلك الهيئات فإنني أكتفي بالقول أن الجهود تسعى بجدية نحو مكافحة مرض السرطان بالوسائل المختلفة (الطبية واللفظية والسلوكية)، تلك الوسائل التي بدأت بنواة أولى طرحتها حرم الدكتور وحيد الخروصي التي أصيبت بمرض السرطان في يوم ما، فكرست حياتها بعد النجاة منه لمريض السرطان بادئة خطاها برفع شعار (التوعية لسرطان الثدي) في مارس 2002م، الشعار الذي أؤيد من قبل الكثيرين مرضى وأصحاء ليتحول بعد ذلك إلى جمعية رسمية مسجلة تحت مسمى (الجمعية الأهلية لمكافحة مرض السرطان) مقرها غلا بجوار بنك عُمان الدولي، بنـك عُمان العربي، وعنوانهـا: رقم المجمع 250، رقم البناية 1450 ب، مجمع ب، شقة رقم 202.
وقبل الإدلاء ببقية المعلومات عن الجمعية، جدير بالذكر ولمجرد التعريف أن مقر الجمعية (الشقة) قد منحت بالتطوع البحت إذ تبرع بها معالي الشيخ: محمد بن عبدالله الهنائي وزير العدل، لتكون ملكاً للجمعية.
أما العنوان البريدي للجمعية فهو ص.ب 736، الرمز البريدي 130 العذيبة، سلطنة عُمان، هاتف رقم: 502506-00968، فاكس رقم 594627-0098
والبريد الإلكتروني: ocancer @ omantel. net. om
الموقع: http://www.ocancer.org.om
وكلمة تقدير أخيرة أتوجه بها إلى الفاضل: عبدالخالق اللواتي لاهتمامه بكتابة مثل هذا الكتاب القيّم، إذ يعبر حقاً عن مدى صدق الولاء الرجولي والإنساني، وأتمنى في المستقبل القريب أن أقرأ الكتاب بأكمله.

غلاف (رحلتها مع السرطان)
غلاف (بين حنايا أضلعي)
غلاف (ديوان الشعر الانجليزي أفكار مجموعة)
غلاف كتاب سميحة أيوب (ذكرياتي)

Posted in Uncategorized | Leave a comment