التـربيـة والـفـن

حين طُلب مني المشاركة بكتابة مقال في التربية كي يُنشر في مجلة “رسالة التربية”، رحبتُ بالطلب، بيد أنه تبادر إلى ذهني مباشرة ما الفكرة التي يمكن باستطاعتي طرحها في المقال، بحيث تمثل جانباً لا تقليدياً لموضوع التربية وتكون موضع جذب بالنسبة للقارئ؟.
ولما كان مناقشتي لمفهوم التربية بشكل عام، لن يمثل جديداً ولن يكون هناك إضافة، فما أكثر الأبحاث والدراسات والمقالات التي تناولت هذا ا لمفهوم بشتى جوانبه لاسيما في علاقته بالزوايا الثلاث: البيت، المدرسة، المجتمع.
وعليه فإنني آثرت في طرحي الفكرة أن أستفيد من واقع عملي التعليمي بالجامعة، فضلاً عن تخصصي الأكاديمي المنصب في مجال النقد الأدبي. ولذا فإنني سأتجاوز الحدود المعرفة والأساسية لمفهوم التربية من حيث التوجيه والإرشاد وغرس القيم والأخلاقيات والمبادئ في النشء وغير ذلك مما هو متعارف عليه، إلى محاولة إبراز علاقة كل ذلك بالفنون، وبالأدب بوصفه فناً من الفنون.
ومما لا شك فيه أن الكل يعلم أن الفن ما هو إلا إعادة صياغة لتجربة مطروحة في الواقع الموضوعي أو في خيال الفنان أو في فكره أو في التاريخ أو في التراث الشعبي أو في أي مصدر آخر من المصادر المختلفة للفن. وضمن شروط الفن كي يحقق فنيته لابد أن يمثل ميلاداً جديداً، وأن يحوي قيمة جمالية تعبر عن التناول الخاص والبصمة الفنية للفنان.
وضمن جماليات الفن أن يحوي رسالة أو مجموعة من الرسائل بحيث تُستنبط ويُستفاد منها. وتختلف الرسائل التي يحويها الفنون حسب اختلاف المواضيع وتنوع الفنون وأدوات التعبير فيها. بيد أنها تظل رسائل، ينصب بعضها على الجوانب التربوية وأرقى ما يتمثل في هذا الجانب تلك الرسائل التي تحوي أهداف الارتقاء بالذوق وتنمية حاسة التذوق بالجمال والكيفية التي بها نصل إلى هذا الجمال.
ولما كان اختلاف أنواع الفنون وكثرتها فضلاً عن اختلاف أدوات التعبير من فن إلى آخر لا يدع مجالاً لمناقشة كل ما سبق، فإنني سأقتصر على فن الأدب الذي يتخذ من الكلمة أداة تعبيرية سواء أكانت مدونة مكتوبة أم منطوقة ملفوظة.
وقبل الشروع في الحديث عن رسالة التربية في فن الأدب أود أن ألفت الانتباه إلى وجود أقسام في الأدب وموضوعات تتعلق بهذا الشأن وهو ما يطلق عليه بأدب التربية أو الأدب التربوي، ولكن ما أريد التركيز عليه ليس الأدب المتخصص في المجال التربوي لاسيما أدب الأطفال، بل المساحات في النصوص الأدبية التي يُستنبط منها رسائل تربوية.
وكي يقف القارئ على هذا الجانب في الأدب، بقسميه: الشعري والنثري، لابد أن يتوافر لديه مقدرة فائقة لقراءة بواطن النص الأدبي لا الوقوف على الدلالات الأولى، والربط بين ما يقوم به الأدب من وظيفة وعلاقة الأخيرة بالدلالة المستوحاة.
والأمر الذي يجعلني أُشدّد على مقدرة القارئ واستيعابه للجوانب الجمالية في الأدب وربط كل ذلك بما هو خارج النص الأدبي، أن فقدان هذا الجانب في المعلم أو المدرس يعوق دون وصول الرسالة التربوية إلى جانب المتلقى (الطالب أو التلميذ).
والشاهد على ما أذهب إليه تجربتي العملية من  واقع وظيفتي بالجامعة فحين شرح بعض نماذج من النصوص الشعرية قد وظف فيها الاستعارة ـ مثلاً ـ بشكل ملحوظ. فمن الطبيعي أن أسأل طلابي ـ الذين هم من خريجي الثانوية العامة ـ لماذا ركز الشاعر على توظيف الاستعارة في هذه الجزئية؟ فتكون الإجابة من قبل الطالب من أجل تقوية المعنى. وحين أسأل كيف يتم ذلك؟ وأي معنى هذا الذي يريد الشاعر أن يقويه؟ يكون الموقف صمتاً من قبل الطالب أو الطالبة !!
وهنا نقف عند إشكالية عدم المقدرة في الربط بين الجانب النظري المدروس لوظيفة الاستعارة في علم البلاغة وبين كيفية وقوع ذلك داخل النص. فالطالب يعي بواسطة التلقين وظيفة الاستعارة، لكنه لا يستطيع الوقوف على الكيفية التي تتم بها آليات الاستعارة. بحيث أستطيع أن أقر بشكل أو بآخر أن فقدان الطالب لهذا الجانب في التذوق الجمالي هو في الأصل فقدان المدرس أو المعلم لهذا الجانب.
ولذلك لا يستطيع الطالب أن يدرك ـ مثلاً ـ أن رحلة الشاعر في الصحراء ومواجهته لشتوى أنواع الأخطار، هي في الأصل تجسيد لرحلة البطولة أو لنموذج البطل المبتغاة في الفكر أو الخيال ولترسيخ المشهد البطولي في الذهن لابد من آليات تحقق ذلك ومن ثم يلجأ الشاعر في مثل هذه المواقف إلى الاستعارة كثيراً لما لها من قدرة التشخيص وتجسيد الموقف البطولي المتخيل برمته.
ومن ثم يخلق الشاعر بواسطة الاستعارة لوحة أو مشهداً به حركة وصوت ولون وتفاصيل أخرى … إلخ.
والحديث عن وظيفة الاستعارة كان مجرد مدخلاً تطبيقياً للحديث عن رسالة التربية في فن الأدب وللتأكيد على أن الرسائل لا تحققها الأساليب البلاغية فحسب، بل سُبل أخرى تتوافر في الأسلوب الكتابي مثل الرموز والوصف ولغة التجريد وغيرها من السُبل الكثيرة.
والأدب العربي بشقيه الشعري  والنثري غني بنصوص حوت رسائل تربوية بمختلف الدلالات. سأعرض لنتف منها إذ لا مجال لعرض كل النماذج.
فالشعر الجاهلي نموذج أدبي يستوحي منه صورة الإنسان كما يجب أن يكون هذا الأخير في عشقه وإخلاصه للمحبوبة في جرأته وإقدامه وشجاعته وكرمه وفي استفادته من تجاربه و تجارب الآخرين. والنموذج الشعري برمته ما هو إلا ربط محكم بين الذاتي والموضوعي ولن يتم هذا الربط إلا بالخروج بالقصيدة من نطاقها الزماني والمكاني، ومن دلالتها الجزئية إلى خارج حدود النص الشعري؛ إلى الدلالات البعيدة المدى.
والنثر العربي ثري بذلك أيضاً. فمثلاً خطبة الرسول الكريم في حجة الوداع. مليئة بالرسائل التربوية التي مثلتها جوانب التشريع في الخطبة. فمنها على سبيل المثال لا الحصر المحافظة على الأمانة، تحريم التعامل بالربا، تحريم أخذ الأفراد بالثأر وإحلال سلطة الدولة محل الفرد، حقوق المرأة وواجباتها، مصادر التشريع في الإسلام (القرآن والسنة). والجانب التربوي بارزاً في الخطبة بواسطة الكيفية التي تتم بها سرد التحريم لاسيما في ضرب أمثلة بأسماء لصيقة بالنبي محمد (ص) مثل قول الرسول الكريم “قضى الله أنه لا رباً، إن ربا العباس بن عبدالمطلب موضوع كله …”.
وهناك نماذج نثرية أخرى مثل فن المقامة الذي يُعد من قبل بعض الدارسين النواة الأولى لفن القصة في الأدب. فالمقامة منذ عهد ابن دريد (321هـ) وبديع الزمان الهمذاني (398هـ) حتى وقتنا الحالي ـ بما فيها من نموذجي الراوي والبطل بوصفهما شخصيات رئيسية متناقضة. إذ الأول سويٌ صادق يدعو إلى الخُلق والقيم ويكشف حقيقة الآخر (البطل) الذي هو محتال آفاق يتقمص أكثر من شخصية اجتماعية للاحتيال على الآخرين.. إلخ. ولا يتوب عن ما يسلكه ـ نلاحظ أن هذا الفن بما فيه من جانب يحوي الشيء ونقيضه هو في الأصل فن تربوي يستنبط منه التجسيد الحي للواقع بكل ما فيه من نماذج بشرية خيرة وأخرى شريرة، وكأن النص المقامي برمته وبفنية لغته يقول لنا: (انتبهوا).
وبالانتقال إلى النصوص الشعبية أو الأدب الشعبي لا يخفى علينا الحكمة المحنكة المستوحاة من كتاب كليلة ودمنة، من أن الظروف أحياناً تفرض علينا سُبل اللامباشرة في التعبير بيد أن ذلك لا يعني بتاتاً الوقوف والعجز عن مواصلة المحاولة.
وتتواصل الحكمة في الانتصار مع رائعة ألف ليلة وليلة فإذا شهرزاد المخلوق الأنثوي الضعيف تستطيع الانتصار بالدهاء والذكاء على شهريار بكل سطوته وهيمنته الذكورية، ومن ثم تواصل معه الحكى ليلة بعد ليلة وينسى أمر قتلها. ألا تكمن رسالة تربوية في هذا الموضوع تتعلق بالطبيعة السيكولوجية للمجتمع الذكوري من أن علاقة الرجل بالمرأة يحكمها الدهاء وعدم المباشرة من قبل الأخيرة.
ومن مجال الأدب المدون إلى الأدب الملفوظ. نجد السير الشعبية والمواويل الشعبية بشتى أنواع تجسد رسالة السعي نحو رحلة البطولة. لإيجاد بطل تُعلق على رقبته آمال الشعوب وآلامها، ومن ثم كان السرد الفني لمراحل حياة البطل من خروج وابتعاد عن الأهل وضياعه وانتصاره على الشر ورجوعه منتصراً… إلخ. وعليه فإننا نلاحظ أن التركيز على تفاصيل رحلة البطولة، هو في الأصل تعبير غير مباشر لافتقادنا لهذا النموذج البطولي في الواقع، ومن ثم إصرارنا عليه من خلال النماذج الأدبية بوصفها فناً يناقض الواقع ويكمل نقصه في نفس الوقت.
والنماذج الأدبية التي يستوحي منها الرسائل التربوية كثيرة سواء في الأدب الفصيح أو الشعبي. لكنني سأكتفي بهذا المرور الكريم مؤكدة أن الرسالة في الأدب تستوحي وتستنبط لا تأتي بشكل مباشر وكي يتحقق ذلك لابد من كشف أغوار النص ومكنوناته. ولن يتم ذلك إلا بقاعدة عريضة من التثقيف الذاتي والقراءات الواسعة، فضلاً عن ممارسة التحليل بشكل دوري، والخروج بالنص إلى المحيط الخارجي.

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s