السيمفونية الأولى: سيمفونية التكوين

الفن قوت الحياة؛ يمدها بقيمة سامية وبعد إنساني، وأنا من الذين يهتمون بالفن، بل وينجذبون إليه بشتى أنماطه التعبيرية والتطبيقية والتشكيلية… إلخ، ليقيني الراسخ أن الحياة بلا فن لا معنى لها، وأن الفن هو الجسر الخالد الذي يعيش دوماً مع الإنسان منذ فجر التاريخ حتى وقتنا الحالي.
ولما كان الفن بوصفه أداة تعبيرية تسمو فوق كل اللغات، وتخلق التفاهم بين بني البشر ولغته أرقى من كل حوارات الألسن، فإنه كان كفيلاً أن يخلق لديَّ مجموعة من السيمفونيات ذات الإيقاعات المختلفة والنغمات، قدر ما فيها من تنوع، إلا أنها تجتمع في إطار من التوافق والانسجام والتلاقي.
والانجذاب الساحر تجاه الفن هو الذي يدفعني دون إرادة كي أعبـر عن الإيقاعات ا لمختلفة لسيمفونياتي التي قد تختلف من حيث المسمى والنغم عن السلم الموسيقي لدى المتخصصين، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن وقعاتها عليَّ كانت بمثابة السيمفونيات الخالدة.
السيمفونية الأولى سيمفونية التكوين:
وتبدأ بمرحلة الطفولة والصبا مروراً بالمراهقة وانتهاءً بالشباب، حيث خلفية إجتماعية شكلتها والدان متعلمان ومثقفان، يتميزان بسعة الأفق وإدراك جعلهما يعرفان مدى أهمية إحساس التفاعل بين الإنسان والفن، وأن هذا الشعور يولد –بلا أدنى شك- مع الموهوبين، ولكن حين تنتفي الموهبة فابستطاعتنا خلق الشعور بواسطة غرسه في نفوس أطفالنا من خلال التعود والممارسة.
ومن ثم كان إصرار ولديَّ وحرصها على أن أشاهد –قدر المستطاع- ومنذ نعومة أظفاري مختلف الفنون والعروض الفنية: غناء، موسيقى، مسرح، سينما، متاحف فنية بشتى أنواعها ومدارسها واتجاهاتها المختلفة… إلخ، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي (سلطنة عُمان)، أو على المستويين العربي والعالمي.
وبمناسبة الحديث عن سيمفونية التكوين أود أن ألفت الانتباه إلى أن والديَّ ليسا من أصحاب النغمات؛ وبعبارة أخرى رغم ما عليهما من ثقافة لا يمتلكان موهبة فنية، فكل ما كان يشغل بالهما هو كيفية جعلنا؛ أنا وأختي وأخي أ ن نتذوق الفن وننجذب لجماله، وأن نعرف أنه حين وجود كل ما له علاقة بالفن والجمال يجب أن تنحني الرؤوس احتراماً وتقديراً، وإن لم تستطع الذات تذوق ما إزاؤها في هذه المواقف فلتكتف بالتأمل والسكون.
ولعل ثمة نغم هاجس في سيمفونية التكوين، تمثل في الرغبة الدفينة لوالديَّ وتمنيهما في أن يصبح أحد من أبنائهما فناناً، ومن ثم كان الإصرار العنيد نحو تثقيفنا علمياً وفنياً.
وإن كانت سيمفونية التكوين قد فشلت في خلق فنانة منى بالمعنى الدقيق للكلمة إلا أنها لم تفشل في جعلي واحدة من أشد المتذوقين للفن بأنماطه المختلفة وبمعناه الواسع، ومن ثم أكن بالشكر والعرفان ولكل عازفيها وعلى رأسهم والدتي ووالدي من أغرسا في الاعتدال في الفكر، القدرة على المناقشة والحوار، قبول الرأي الآخر لا سيما إن كان مختلفاً، الجرأة على الإفصاح بالرأي في حالتي الإقتناع والإقناع دون خوف ولا تردد، ودون تطاول أو خروج عن حدود الذوق والخلق، نبذ التطرف الفكري والعقائدي، الاستجابة لرأي الآخر والتنازل عن الرأي الخاص في حالات إدراك الخطأ دون شعور بالضعف أو الدونية، حب الاطلاع والتعلم المستمر… ولكي يتحقق كل ذلك أدركت أن الركيزة الأساسية لما سبق، هو الإنسان ذاته إذ يجب أن يتمرس طوال الوقت على أن يصير إنساناً يفوح منه الفن والجمال هيئة وفكراً وشعوراً وأولى الخطأ إلى ذلك أن يكون صادقاً مع نفسه وأصدق مع غيره.
وفي ختام سيمفونية التكوين أهدى مقطع الفضل والتقدير إلى والديَّ وإلى كل من علمني وكان له أثر جميل في جانب من جوانب شخصي، وإلى كل من أفدت منه بشكل مباشر أو غير مباشر عبر مختلف مواقف الحياة، كما أهدى المقطع الأخير من هذه السيمفونية الذي هو عبارة عن موسوعة مبسطة في الفن باللغة الإنجليزية، أهديت إليَّ من قبل والديَّ وأنا في الثالثة عشر من عمري، فلا زلت احتفظ بها في مكتبتي الخاصة؛ إذ يذهب الجـزء الخـاص عن الفنـان والفن فيها إلى أن الأول: هو ذلك الشخص الذي يرى ما حوله كغيره من البشر، يتميز عن الآخرين بحس مرهف، ومهارة تعبيرية وقدرة خاصة يستطيع أن يمزج بها بين الشعور والفكر.
أما الثاني: (الفن) فهو المقـدرة علـى مزج أبعاد ثلاث: الحس، الفكرة، الخامة (أداة التعبير) ليخرج من هذه الأبعاد عملاً فنياً.
فإنني أهدي هذه المعاني السامية إلى كل من يربطني به خيط من الاهتمام في النطاق الوطني الأرحب، وإلى كل من يحلم معي بتحويل الجمال من فكر تجريدي إلى حقيقة معيشة، إليهما أهدي هذه الموسوعة وفي نفس الوقت أطلب منهما قراءة بقية أجزائها لتكتشفا أن أنواع الفنون لا تقتصر على التعبيرية والتطبيقية والتشكيلية، ومن ثم فإن الفن آفاق لا حصر لها: فالفن تربية وخلق وقيم ومبادئ وسلوك، الفن ثقافة، وتعليم وسعة أفق ومدارك، ورقي وتحضر… إلخ، لاسيما أنني بدأت أسمع نغمات شاذة تتسرب داخل بعض مقامات سيمفونية التكوين، فإلى أن نلتقي الأسبوع القادم في سيمفونية أخرى أناشد إعادة تلحين النغمات الشاذة إلى جمل موسيقية؛ تنسجم في شكل بديع لتشكل من حياتنا وذواتنا سيمفونية خالدة.

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s