السيمفونية الثانية: سيمفونية المكان

وكما ذكرت الأسبوع الماضي في سيمفونية التكوين أن ثمة جاذبية من نوع خاص تشدني نحو الفن بكل أجناسه، إلا أنني حين انتقلت إلى لحن التذوق، وبعد باع طويل في عزف القراءة والبحث عن النغم الذي يمكنني من الوقوف على المفاتيح المختلفة للتذوق والتحليل، اكتشفت أن المفاتيح لهذا العالم الساحر تختلف باختلاف المدارس الفنية: الواقعية، الرومانسية، الرمزية، التجريبية… ففي رحلة عزفي الطويلة التي لم تستقر حتى الآن على لحن معين، اكتشفت شيئاً آخر، ألا وهو أن الذي يجذبني ليس الفن فحسب، بل العالم الفني بأكمله؛ وأقصد بلفظة “العالم”: كل مكان له علاقة بالفن أو يشع منه مذاق فني.
ومـن ثـم فإننـي أخصـص سيمفونيـة المكـان للحديث عن مكان معين بوطني تربطني به أوتار خاصة شكْلها الشعور، والإحساس الذي امتد معي منذ سنين، وسيستمر بقـدر ما أُمهـل من عمـر. هـذا المكـان هو الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية (Omani Socity for Fine Arts).
إن الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية كانت –ولا زالت- من أقرب الأماكن إلى قلبي وأوقعها على فكري، منذ أن كانت بموقعها القديم (الخوير)، إلى أن انتقلت إلى مقرها الحالي بـ (شاطئ القرم).
وإذا حاولنا أن نبحث عن أهم النغمات التي تميز هذه السيمفونية البديعة عن غيرها سنجد أن أولى هذه النغمات تشكل جملة موسيقية أساسية ، أهم مفرداتها تقول: إن الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية هي همزة الوصل بين الفنان والمتلقي، وعليه فهي تؤكد ركيزة مؤداها أن للفن أهمية في حياة الشعوب. فضلاً عن أن الجمعية تعزف لحناً يفرق بين الإنسان الذي ينظر إلى العالم المحيط به فحسب، وآخر ينظر إلى العالم ذاته، لكنه يتفاعل معه ويعبر عنه بأحاسيسه وفكره، وهو ما يحول من الجمعية حيزاً مكانياً جغرافي  الحدود والسمات إلى سيمفونية؛ يجتمع فيها الفن والجمال في لحن واحد يعد مثالاً للروعة في الإبداع ونموذجاً للخلق الفريد.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن على نحو إيقاعي، ما الذي يجعل الإنسان ينتعش في أماكن دون أخرى؟ وأي وتر أليف يربط بين الإنسان والمكان إلى درجة الشعور بالحميمية والانتماء؟.
إن الإجابة عن السؤاليين السابقين تتلخص في علاقة التأثر والتأثير التي تربط بين الإنسان والمكان أو العكس، تبدو هذه العلاقة في شكل نغمة متبادلة بين طرفين، تؤكد ما يذهب إليه الفيلسوف (بيكون) من أن الفن ما هو إلا مزيج من الإنسان والطبيعة، فإذا اعتبرنا أن المكان جزء من الطبيعة، فمن الطبيعي ومن خلال علاقة المزج هذه أن يتفاعل المكان مع الإنسان ، فكما ينتعش هذا الأخير في أماكن ، ويذبل في أخرى، فالمكان –أيضاً- يبادله نفس الشعور ، إذ قد يحتويه أو يلفظه.
ولما كان المكان بقاطنيه، فإن التفسير النفسي لعلاقة الألفة والحميمية التي تربط بيني وبين الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية بمن فيها وما فيها يكمن في أننا نعزف لحناً واحداً مشتركاً اسمه الحب والصدق، هذا اللحن يجعلني أعاود زيارة المكان دوماً رغم قسوة ظروف الحياة ومسؤولياتي الوظيفية لأكتشف في كل مرة وكأنني تركته بالأمس.
إن الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية سيمفونية بديعة تشع ألحانها ياسمين جميلة. بدءاً من الموقع الرومانسي (شاطئ القرم)، ومروراً بنغمة الإخلاص لدى مسؤليها وانتهاءً ببصمة الصدق لدى فنانيها.
وكم كنت أتمنى أن يتسع المجال لأدعوك أيها القارئ العزيز – من خلال هذه السطور- للتجوال في كل مقاطع هذه السيمفونية حتى نستمتع سوياً بكل نغم ولحن فيها.
وحيث إن المجال لا يتسع لعرض كل الأغاني الجميلة فإنني أكتفي ببعضها مثالاً لا حصراً.
طه الكشري (مدير الجمعية) ليس فناناً بالمعنى الدقيق للكلمة، لكن كل ما فيه يفوح بالفنية؛ إخلاصه وحبه لعمله إلى درجة العشق، الدبلوماسية المتناهية في إدارة الجمعية … طه الكشري استطـاع، وبمسانـدة جنود آخرين وراءه، في زمن قياسي أن يطير بالفن العُماني التشكيلي على ساقي رُخ إلى آفاق رحبة خرجت بهذا الفن من مستوى المحلية إلى المستويين العربي والعالمي.
وأسلوب طه الكشري في إدارة الجمعية أسلوب يعبر عن عزفه المتميز لأوتار مختلفة، دون إفصاح. فالفن بالنسبة لطه هو اختبار للحقيقة، والفن التشكيلي منه حركة طيران واللوحة فيها روح لابد أن تتنفس حتى تكتمل فيها الحياة.
ولكي يتم ذلك لابد من نشاط حركي ،جسدته مجموعة المعارض الفنية- الجماعية والفردية- التي تقيمها الجمعية سنوياً ،سواء أكان ذلك داخل الجمعية أو خارجها ، الإضافة إلى الأنشطة والفعاليات الفنية وورش العمل، على نحو يضمن بقاء الحركة التشكيلية العُمانية دوماً، وينشر الوعي الفني ، ويرقى من مستوى التذوق العام.
لا أريد أن أسترسل في المزيد ، إذ قد يظن القارئ أن ثمة صيغة مبالغة تطغى على كلماتي، فخير اليقين التجربة والمشاهدة العينية.
الفنان (يوسف الفوري) ، المسؤول عن مرسم الفنانين، لحن آخر مميز في هذه السيمفونية، يتوافق مع اللحن السابق في اتساق ينم عن روح الفريق في العمل. بدءاً من الرقي السلوكي لهذا الفنان الذي يظهر أول ما يظهر في إطلاقه كلمة الحق والصدق بكل الحب ودون أدنى إبخاس لحق غيره، متمثلاً في إشادته بالدور الفعّال لزميله طه الكشري في إدارة الجمعية. وانتهاء بذوقه وأسلوبه في استقبال ضيوف الجمعية.
يوسف الفوري حين زيارتك للجمعية يستقبلك بابتسامة صادقة تنم عن ترحاب عميق، كما يحيطك بشعور من الألفة ، يجعلك تتجول في أجواء الجمعية متمتعاً النظر في اللوحات المختلفة دون إزعاج، حتى وإن طال وقوفك أمام لوحة من اللوحات لمدة ساعات دون إشباع.
إن أكثر الجوانب بروزاً في شخصية يوسف الفوري ليس كونه فناناً فحسب، بل عاشقاً لعمله يمارسه بإبداع ،فيوسف الفوري ليس لديه مانع أن يمضي الساعات شارحاً وموضحاً تفاصيل كل لوحة دون كلل أو عجالة. وهو حين يسأل عن نشاطات وفاعليات الجمعية تجده ملماً بأدق التفاصيل عارضاً إياها من كتيبات مختلفة.
وحتى يكون الكلام أكثر موضوعية، أقول: إنني قد تابعت مجموعة من المعارض والأنشطة الفنية التي تقيمها الجمعية ، ليس هذا فحسب، بل إن المتابعة ذاتها سُبقت في أحايين كثيرة بمعايشة فعلية لمختلف مراحل التحضير والترتيب والتجهيز لهذه الفعاليات، ومن ثم رأيتُ الفن –حقاً- وحدة وألقاً وروحاً وجسداً واحداً ينم عن روح الخلية في العمل.
فمن المعارض التشكيلية التي حضرتها وكان لها تأثيرها الفعَّال بداخلي –على سبيل المثال  لا الحصر- معرض رموز من عُمان، ومعرض الفن والتراث، ومعرض الفنانات التشكيليات الذي يقام في شهر مارس من كل سنة، وملتقى مسقط للفن التشكيلي العربي، وملتقى مسقط للنحاتين العرب، هذا فضلاً عن أن الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية لا توجه اهتمامك نحو التوزيع والتنوع لرؤية الأعمال الفنية لمختلف الفنانين والفنانات العُمانيين وغير العُمانيين، لكنها في روائعها الإبداعية تتجه نحو تغيير سياسة التنوع إلى توحيد الرؤية ، حين تفسح المجال لإقامة المعارض الشخصية، مثل معرض الفنان عبدالعظيم الضامن ، ومعرض الفنان حسين الحجري ، الذي أُقيم في (فندق قصر البستان تحت عنوان عُمان القديمة)، ومعرض الفنان سيف العامري (فنان الكاريكاتير الساخر)، وأخيراً معرض الفنان محمد الناصري في فن النحت.
ولا يقتصر النشاط الفعلي للجمعية على المعارض الشخصية واللاشخصية، وعلى الفنون التشكيلية والنحت وفن الكاريكاتير فحسب، بل يمتد إلى التصوير الضوئي ، حيث ترى الفن والعدسة الخلاقة يتزاوجان في لحن أبدي، فيعيدان خلق المشاهد أمامك بصورة تحول الطبيعة الصامتة والزوايا والألوان والخطوط إلى قصائد بصرية متجددة ، تشكل جملاً شعرية ، ترى من خلالها المواضيع المنهكة لوحات أعاد لها المصورون صباها.
وكما أسلفت، إن الذي حوَّل من الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية من مكان إلى سيمفونية هم كل من فيها ، حيث يعزفون لحن الوفاء والحب والإخلاص، وإنهم حين اجتمعوا في هذا المكان اجتمعوا اجتماع العشّاق لفنهم ولبعضهم ولذواتهم وحتى في لحظات هيمنة نرجسية الفنان نلمس لهذه الهيمنة مذاقاً خاصاً يوحي بالمنافسة الشريفة وبغيرة الفنان على عمله.
وفي نهاية سيفمونية المكان أود أن أوجه كلماتي لبعض فناني هذه السيمفونية ، إذ أن لكل منهم ريشة ولوناً ومادة ، تعزف عزفاً منفرداً مميزاً في نغماته وتكوينه وممتعاً في طبقاته وهم :
– الفنانة (رابحة محمود): بديعة في لوحاتك، كما أنت في ذوقك وشخصك.. ذاكرتي لا زالت تردد كلماتك التي اقتبستها في أحد المؤتمرات بدولة الكويت، حين تساءلت في صوت جماعي عن هدف الإبداع، فأقول لك: نعم نحن نكتب بل ونرسم ونصور وننحت ونمثل… وننقد في نهاية المطاف من أجل الحياة… من أجل الجمال… والمحبة… من أجل أن تكون حياتنا جميلة وميتتنا نبيلة.
– الفنان (محمد بن فاضل الحسني): طائر النورس ، دائم الترحال بين محيطات وبحار العالم، يحمل لوحاته على جناحيه ، غير مبال بمشقة السفر ، أو معاناة التكاليف حين انكسار جناح من جناحيه. أقول له: يا عاشق فنك ، أحترم فيك هذا العشق الأبدي ، ولا أتخيل داري وقد خلت في يوم ما من لوحة من لوحاتك.
– الفنانة (نادرة محمود): أعرف بصمتك الفنية دون النظر في التوقيع، إن أكثر ما يمتعني في لوحاتك الانسجام التدريجي في مراحل الخروج والدخول من لون إلى آخر، تماماً مثل حواراتك وأحاديثك ، قَدْرَ ما فيها من تنوع ونوادر ، إلا أنها تنم عن تشابك وتوافق، أين أنت الآن؟؟ هل معرض فندق (انتركونتيننتال) شغلك عن الإبداع؟.
– الفنان (أنور سونيا): جيل الأوائل من مَنْ ساهموا بشكل أساسي في دفع مسيرة الحركة التشكيلية بالسلطنة. أتابع مشاركتك العديدة على مستوى المعارض العربية والعالمية، وآخر هذه المعارض معرض تركيا، ولكن لماذا تقاعص نشاطك على المستوى المحلي؟.
– الفنانة (مريم الزدجالي): طال إقناعها لي –هي وبقية الزملاء- أن أتعلم الرسم طالما أنني أتذوق الفن، أشكرك وبقية الفنانين من مَنْ ألحوا على مدار سنين تعليمي الرسم مجاناً. وأقول لك بصفة خاصة: إنني مقتنعة تماماً بشعرة الجنون الفنية لدى (فان جوخ) ، وإنني مقتنعة بأن شهرة هذا الفنان الذي تعشقينه برزت بعد وفاته أكثر، وقد عملت بنصيحتك إذ قرأت كتباً كثيرة عن هذا الفنان حتى أقتنع أن باستطاعتي تعلم الرسم، وكان آخر ما قرأته من هذه الكتب كتـاب (Van Gogh) للناقد الفني (Ina dunlop) طبعة دار (Book club associates london) فأقول لك: أقدر منك هذا الإخلاص في التشجيع وربما قد أكون قد فشلت في أن أتعلم  الرسم، ولكن من المؤكد أنني لم أفشل في أن أكون أحد أشد المتذوقين لـ “لزهرة الخشخاس” وللوحة “المطعم”(Interior of a Restaurant- Paris 1887).
– الفنان (أيوب ملنج): ماذا بعد رائعة سيمبوزيم يناير 2001م؟.
– الفنانة (سلطانة الريامي): لوحاتك تصرخ صرخة التحرر من جدار دارك، وتناشد بانطلاقة التنفس في معارض خارجية.
– الفنان (محمد عبدالله الصايغ)، رغم أنني لم أتشرف بمقابلتك إلا أن شعوراً من الألفة يجمعني بلوحاتك.
– الدكتوره (سلمى الريامي): لا زلت عند رأيى: لا تعارض بين الطب والفن، يوسف إدريس كان طبيباً ولا زال أديباً.
– الفنان (موسى عمر): لوحاتك بساط سحري، يطير بيَّ إلى مدن حالمة.
– الفنان (محمد الناصري): فنك سيمفونية في حد ذاته.

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s