الناس اللي في التالت – بين الحدث والرمزية

هناك قاعدة تذهب إلى أن الفن الحقيقي نبع لا يرتوي منه المرء، أو خيط سحري يجذب المتذوق دون مقاومة منه.
ففي ظل هبوط المستوى الفني لكثير من الأعمال المسرحية على مستوى العالم العربي، لا يملك المشاهد إلا أن يقف وقفة متأنية إزاء أي عمل جاد، بل انه يعاود مشاهدة هذا العمل مرات ومرات.
هذا هو موقفي مع المسرحية المأساوية (الناس اللى في التالت) التي شاهدتها أكثر من ثلاث مرات، دون ارتواء أو إشباع.
و(الناس اللي في التالت) نص مسرحي جاد، تأليف أسامة أنور عكاشة، معروض على المسرح القومي بالقاهرة، اخراج محمد عمر، بطولة عملاقة المسرح الفنانة سميحة أيوب، والفنانين: فاروق الفيشاوي، رشوان توفيق، عبدالعزيز مخيون، رياض الخولي، نرمين كمال وغيرهم.
وقد كُتب النص المسرحي بدقة شديدة وبحس فني مرهف، بحيث خرج لنا نسيجا فنيا متماسك العناصر ومنطويا على أهداف.
تتناول أحداث المسرحية حياة عائلة مصرية تنتمي إلى طبقة اجتماعية متوسطة، تقطن شقة بالطابق الثالث لإحدي عمارات منطقة رمسيس بقلب مدينة القاهرة، حيث يأتي الديكور معبرا عن هذه المنطقة، إذ نشاهد شرفة (بلكونة) تطل على تمثال رمسيس وجزء من محطة السكة الحديد (القطار)، بالإضافة إلى بهو يضم أثاثا، يعكس مستوى معيشي متوسط، وصورة لرب الأسرة المتوفى موشحة بوشاح أسود، ومعلقة على أحد جوانب البهو.
وأفراد هذه الأسرة هم: الفنانة سميحة ايوب في دور الأم (وداد هانم)، والفنان فاروق الفيشاوي في دور الابن (سعيد)، والفنان عبدالعزيز مخيون في دور الابن (وحيد) ثم الابن الاصغر (هانئ) والفنانة نرمين كمال في دور الشغالة (وسيلة)، والفنان رشوان توفيق فى دور الجار (عم مهيب) والفنان رياض الخولي في دور (ضابط الشرطة).
والبداية الفعلية للحدث، تبدأ باقتحام رجال البوليس، رمز السلطة، للشقة ليلا، بغرض تأمين الموقع للضيف السياسي الذي يأتي لزيارة مصر، حيث يتخذ المؤلف من هذا الحدث ركيزة أساسية لبقية أحداث المسرحية، إن عملية تفتيش المكان (الشقة) من جانب رجال البوليس، تستغرق فترة زمنية مداها ليلة واحدة، هي ليلة زفاف الابن (وحيد)، حيث تعود الأم وكذا الابن وزوجته ليعيش الأخيران مع بقية أفراد الاسرة في الشقة المتواضعة الضيقة التي تُتخذ مدخلا رئيسيا لعرض تدهور الحالة الاقتصادية للاسرة المصرية، وهي حالة يعبر عنها مدى عجز الابن (رمز الشاب المصري) البالغ من العمر ثلاثا وثلاثين عاما، عن الحصول على شقة يستقل فيها، عن اسرته، هو وزوجته، ومن ثم شعوره بافتقاده للخصوصية، تلك الخصوصية التي لا تتأتى له حتى في ليلة واحدة هي ليلة عرسه، وما يتلو ذلك من اثار نفسية سيئة.
وهنا يتطرق الى الذهن سؤال: هل عملية تفتيش المكان من قبل رجال البوليس، مجرد حدث من احداث المسرحية؟ ام انه فعل رمزي يتعدى المكانية الى دلالات أكثر عمقا، تكشف عن حقيقة النفس الانسانية في تحولاتها ودواعي هذه التحولات؟
ففي غضون عملية التفتيش، نتوصل من خلال الحوار إلى أن زواج (وحيد) من زميلته بالبنك، ليس سوى وسيلة رخيصة للوصول إلى منصب أعلى وتحقيق مآرب أخرى، إذ ان الزوجة على علاقة آثمة برئيسها الذي يود التخلص منها، ومن ثم يزوجها لـ(وحيد) في مقابل وصول الأخير إلى مبتغاه.
إذن التدهور في الوضع الاقتصادي غالبا ما يستتبعه انحطاط في القيم الاخلاقية، ذلك الانحطاط الذي يمثل الاسقاط الاجتماعي في العرض المسرحي، والذي يمتد ليشمل الابن (سعيد)، الشاب المثقف الذي يسافر إلى الخارج واعدا أخاه (وحيد) بأنه سيرسل له مصاريف الزواج، غير أنه لا يفي بوعده، بل أكثر من ذلك، يعود ـ بعد تسعة أشهر ـ صفر اليدين، معترفا بأنه احتال على المصريين بالخارج وسلب أموالهم. ليس هذا فحسب، بل إن حصوله على ثمن تذكرة السفر، كان نتيجة احتياله على خطيب اخته، الموظف البسيط بمكتب البريد، مما ترتب عليه عدم إتمام زواجهما.
والجانب الاحتيالي في هذه الشخصية، الذي ابرزه الفنان فاروق الفيشاوي بأدائه التمثيلي الصادق، لا يقف عند حد سلوك الشخصية، بل يتعداه الى تركيبتها النفسية التي تظهر في قدرتها على اقناع الآخر، بأنه هو المخطئ، ومن ثم ينبغي عليه تأنيب الضمير، وهو ما يتبدى في حوار الأم (وداد هانم) مع ابنها (سعيد) حين تعرِّيه أمام ذاته، كاشفة له حقيقة أمره في أنه يعلم علم اليقين ـ منذ صباه ـ أنه ليس ثمة علاقة آثمة بينها وبين جارها (عم مهيب)، ومع ذلك يظل الابن ينظر إليها على أنها مذنبة ينبغي أن تطلب منه السماح باعتباره إبنها البكر، كيما يمن عليها بالغفران.
والجانب النفسي الذي يُظهر أنانية الاولاد تجاه الأم، يتواصل في المسرحية مع شخصية (هانئ) الابن الاصغر، المشلول قعيد الكرسي، الرومانسي النزعة، ذي الصوت الطروب، الذي يعشق الغناء والاستماع إلى أغاني (فيروز) والأغاني الوطنية الأصيلة المعبرة. فرغم ما لديه من نزعة رومانسية، فإنه لا يتورع أن يتهم أمه ـ بشكل أو بآخر ـ أنها كانت السبب المباشر في إعاقته، بيد أنه في حقيقة الأمر وقع من فوق سور الشرفة (البلكونة) وهو طفل.
أما شخصية (وسيلة)، الشغالة، فإنها تبلور مفهوم الظلم، إذ تكشف السلطة ـ بواسطة الأوراق الرسمية ـ أنها ابنة شرعية للأب المتوفى (زغلول)، وأنها المالكة الفعلية للشقة، وهو أمر كان في طي السرية والكتمان، لا يعلمه سوى (عم مهيب) الذي ائتمنه (زغلول) على أسراره. وقد حرص (مهيب) على كتمان السر، غير أن السلطة حالت دون ذلك.
وهنا نلاحظ أن النص المسرحي يومئ إلى إدراك الإنسان للقيم. فالأمر يبدو لنا وكأن المسرحية تطرح سؤالا هو: هل القيم من البديهيات التي ينبغي التسليم بها أم أنها مسألة نسبية؟ بمعنى أن ما يراه البعض مثاليا قد يراه البعض الآخر غير مثالي.
فـ(مهيب) الذي يجسد المثل العليا والمبادئ والمروءة في إعالة الجار، يبيع شقته ليعيش في حجرة صغيرة مع تلك الأسرة، بدافع من وفائه لـ(زغلول)، ابن عمه وصديقه في الوقت ذاته، ومن أجل إعانة الأم الأرملة (وداد) في تدبير حاجيات الأسرة. فضلا عن أن هذه الشخصية تؤكد معنى الوطنية والحق في حوارها المتضمن لذكرياتها عن ثورة 1919م بزعامة سعد زغلول.
ورغم ما تتسم به شخصية (مهيب) من صفات نبيلة، يستشعرها المشاهد من الدور الذي يؤديه الفنان (رشوان توفيق) ببراعة وحس مرهف، فإن المشاهد ذاته قد يتساءل عن المفارقة الكامنة في إدراك الإنسان لمفهوم المثالية، على نحو يؤدي معه هذا التساؤل إلى تساؤل آخر وهو: الا توجد حدود فاصلة بين ما هو موضوعي، وما هو ذاتي؟! الا يجدر بـ(مهيب) ان يفرق بين احساسه تجاه صديقه (زغلول) وبين ما يمليه عليه ضميره من عدم ظلم (وسيلة)، فلا يكتم السر عنها؟!
من ثم يتضح أنه لا وجود للمثالية المطلقة، ويتأكد هذا ايضا من شخصية (زغلول) الغائب الحاضر، رب الاسرة المتوفى، بما ينطوي عليه الاسم من رمزية القيادة الوطنية (سعد زغلول)، وبما تنتهجه الشخصية ذاتها من سلوك ينم عن جور وإجحاف، بجعل (وسيلة) شغالة للأسرة، رغم كونها ابنة شرعية تنتمي إلى الأسرة ذاتها. وبذا تتعدى المسرحية الدلالة المباشرة المستوحاة من الحدث المسرحي، إلى دلالات أبعد، تتعلق بحقيقة الماضي وماهيته في علاقته بالحاضر، بمعنى هل الماضي، بصورته المنطبعة في ذاكرتنا، مثالي أم أنه جذور لسيقان الحاضر بكل ما فيه من ظلم وقبح؟! هذا الظلم وذاك القبح الذي يتأكد لدى المشاهد من خلال كشف النقاب عنه في عملية التفتيش التي ترمز إلى أن الحاضر بكل ما فيه من سلطة ليس أكثر ظلما وجورا من الماضي.
إن فنية هذا العمل المسرحي، لا تتمثل فحسب في عناصره الفنية، كالحدث والشخصيات التي قد تم التعبير عنها بجدارة وأداء تمثيلي رائع، والمكان (الديكور) والزمان، بل في تداخل هذه العناصر مع بعضها البعض، على نحو فني يوحي بمدى انجذابها إلى الشخصية المحورية وهي شخصية الأم‎ (وداد هانم). وهذه الشخصية مثلتها الفنانة سميحة أيوب ببراعة تفوق الوصف. تلك البراعة التي ينبغي الوقوف عندها وقفة متأنية.
فـ(سميحة أيوب) لا تجسد دور الأم بحضور فائق فحسب، بل تجعل المشاهد يستشعر مدى هذا الحضور وكيفيته؛ فهي الأم، مركز الدائرة في الأسرة، والتي تتحمل عناء الأسرة في مواجهة تدهورها الاقتصادي، فضلا عن انحطاطها الخلقي متمثلا في الانحراف السلوكي لابنيها. وهذه الشخصية، في صمودها وازدرائها لكل ما هو مخالف للقيم والمبادئ السامية، تجعل المشاهد يستشعر انها امتداد لتمثال رمسيس، في شموخه ووقفته التاريخية الصامدة لكل التغيرات الزمانية التي تفضي إلى التدهور بشتى صوره، تلك التغيرات التي يُعبر عنها في ذات المكان بمحطة القطار رمز الحركة وعدم الثبات.
وجدير بالذكر أن شخصية (وداد هانم) تُظهر حقيقة ابنها كما يتجلى في حوار يؤكد مدى استيعاب هذه الأم لسيكولوجية هذا الابن، بما يوحيه ذلك من قوة شخصية الأم، وخروج عن الصورة النمطية للأم التي ترضخ لذكورية أبنائها. هذا فضلا عن ان سلوك الكشف في حد ذاته، ما هو الا امتداد للكشف السلطوي، فكلاهما يرمز إلى السطوة والهيمنة واشتراك الأم والسلطة في رمزية واحدة، يتجلى في أبهى صوره فيما يلي:
ـ إن السلطة (رجال البوليس)، حين اقتحام الشقة للتفتيش، إنما تفعل ذلك لغرض سام، وهو حماية الضيف السياسي، بالإضافة إلى القيادة. ومن ثم، فانها ـ في تعريتها لأفراد الشقة، بكشف أسرارهم ـ لا تقصد التجريح الذاتي، وإنما الحماية العامة. كذلك الأم؛ ففي تعاملها مع ابنها (هانئ) المعاق، ما يوحى بالحنان والعطف والحب والاهتمام، وإن كان لا يخلو هذا التعامل من تجريح يذكر الابن بالاعاقة.
ـ إذا كانت السلطة تنطوي على تناقض يتمثل في الحماية والتجريح؛ حماية الرمز (القائد والضيف) وتجريح الأسرة، باقتحام خصوصياتها والنيل من آدميتها، فإن الأم (وداد هانم) ـ رغم وفائها واخلاصها لزوجها المتوفى، والذي يتضح من عزوفها عن الزواج ورعايتها لأبنائها وعدم إقامتها علاقة آثمة مع جارها (مهيب) ـ لا تتردد لحظة واحدة في أن تطرد (وسيلة) الشغالة، التي تربت في كنف الأسرة، إلى الشارع، بعد علمها بملكيتها للشقة، بحجة أنها بذلك تحمي بقية أفراد الأسرة من التشرد والضياع.
إن المسرحية تطرح سؤالا في غاية الأهمية والحساسية وهو: هل يستقيم مع المنطق أن يكون في الاضرار حماية، وفي الطرد رعاية؟!
من ثم، فان المسرحية ترجع بنا إلى السؤال الذي طرحناه آنفا، وهو هل القيم من المسلمات أم أنها شيء نسبي؟!
وأخيرا، اختم هذا المقال النقدي لهذا العرض المسرحي المميز، بمجموعة من التساؤلات التي تمليها أسماء الشخصيات في هذا العمل المسرحي وطبيعة سلوكها وأفعالها.
ـ فالاسم (وداد) يملي هذا التساؤل: هل الحب عاطفة صادقة تعتمل داخلنا أم هو مجرد شيء عارض نتخلى عنه حين يتعارض مع مصلحتنا، تماما كما تفعل (وداد هانم) حين تشرع في طرد (وسيلة) التي تربت في محيط الأسرة؟
ـ والاسم (مهيب) يوحى بالتساؤل التالي: هل أصبحت القيم والمثل العليا من الامور التي يهابها الانسان في زماننا الحاضر، ومن ثم فهي لصيقة الماضي؛ إذ تقترن بشخصية عجوز ينتمي إلى الماضي ويعيش على ذكراه ؟!
ـ ومن اسم (سعيد) نستوحي ما يلي: هل نحن سعداء حقا بما وصلنا إليه من اضمحلال القيم وانحطاط الاخلاق، مع التبرير واختلاق الاعذار؟!
ـ واسم (وحيد) يفرض التساؤل التالي: من هو ضحية التدهور الاجتماعي الحالي: الفرد أم الجماعة؟!
ـ (وسيلة) اسم يملي هذا السؤال: هل الرعية مجرد وسائل يتخلى عنها الراعي متى شاء، إذا اصطدمت بمصالحه؟!
ـ وأخيرا (هانئ) يوحي اسمه بالتساؤل التالي: هل اصبحنا نهنأ بالوضع الراهن ونكتفي بالقعود عن السعي، ونمني أنفسنا بأحلام رومانسية وأغان وطنية؟!
وبعد كل الإيحاءات السابقة اقول: إن مسرحية (الناس اللي في التالت) ينطبق عليها بحق قول أرنست فيشر (ERNEST FISHER): (ليس وظيفة الفن ان يدخل الأبواب المفتوحة، بل ان يفتح الأبواب المغلقة).

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s