بيت الوادى أم بيت الأحلام

ان يحلم الانسان في شكل رؤى او كوابيس شيء وارد، ان تمتد الاحلام الى احلام يقظة ليس بأمر مستحيل، لكن ان تتحقق الاحلام الى وجود فعلى، خلال بضعة ايام، تلك هى قمة المفارقة.
في رحلتي الممتدة سفرا بين القاهرة ومسقط، وعبر محاولة مريرة للهروب من ضجيج الطائرة، وايلام المطبات الهوائية، لم اجد ملاذا سوى اغماض عيني والهروب الى واحة تنزعنى عن الزمان والمكان، وهو ما افعله دائما حين تضجر بي الامور، لا سيما وانني من عاشقات لغة الاحلام الى حد الاتقان، ودرجة التوحد بها.
وحيث انني من مواليد برج الحوت، وهو برج كما يزعمون خيالي، فقد ادركت وبشعور عميق ان مذاق حلمي في هذه المرة مختلف عن المرات السابقة، اذ الواحة التى اهرب اليها لم تكن سوى وطني الذي لم يطل ابتعادي عنه سوى بضعة ايام لاجازة قصيرة.
ورغم تحليقي في الفضاء ووجودي بعيدا، فإنني ـ طوال خمس ساعات ـ كنت اتخيل انني ارى واحة حلمي رؤية شاملة على بساط سحري ينقلنى حينا ويقف بي حينا آخر عبر اجواء دافئة، كل ما فيها يفوح جمالا وينطق نقاء وبراقة، بل وان وجوها تتوسط خضرة سندسية يفوح من كلماتها عبير الفن وعبق الذوق فضلا عن ألسنة مائية تلامس اناملي فأسمع، صدى خريرها مقاطعا من سيمفونيات ( باخ ـ BACH ) و (بتهوفن ـ BEETHOVEN ) و(بركنر ـ BRUCKNER ) و(برامز ـ BRAHMS ).
ولما كان تأثير الاحلام يعادل فاعلية الاساطير، فإن حلمي الجميل والطويل نقلني الى زمان غير الزمان، لأحيا في واحتي الساحرة، اتذوق كل ما فيها بمذاق يفوق الوصف، ويحول من الواحة الى دار اوبرالى توصل الى مسامعي انغاما موسيقية حية معبرة.
لم افق من حلمي الا مع الهبوط العنيف للطائرة الذي كان بمثابة ناقوس، اجبرني على التخلي عن حلمي والدخول في آنية الواقع.
ان احلامي اعدها جزءا لا يتجزأ من نسيج تركيبي، فحين أجبر على الانفصال عنها، افعل ذلك موقنة ان يكون الانشقاق لطيفا تدريجيا، حتى لا اقسو عليها او ارتكب في حقها جرما لا يغتفر، وعليه فإنني أصطحبها معي خلال افعالي اليومية، كما اجعل مفردات تشكيلها ـ من خلال الاسترجاع ـ تشاركني ممارساتي الحياتية.
فعبر رحلة التداعيات بين مطار السيب والقرم، لفت انتباهي ان النغمات التي عايشتها في حلمي كانت لمؤلفي موسيقى كلاسيك تبدأ اسماء شهرتهم بحرف (الباء)، ( باخ ـ بتهوفن ـ بركنر ـ برامز)، الامر الذي استدعى تطرق سؤال الى ذهني هو: هل من باب الصدفة ان يحلم الانسان في يقظته بألحان لمجموعة من الموسيقيين تبدأ اسماؤهم بحرف واحد ؟! ام العقل ـ احيانا ـ يشكل تداعيات دون وعي او دراية من الانسان ؟!! .
لن ادعي انني استطعت الوصول الى جواب مرض، لا سيما وانني لست من متخصصي علم النفس، لكن في الوقت ذاته لا انكر، ان السؤال ظل مهيمنا على فكري طوال الطريق، بل وان شعورا غريبا انتابني يقول لي: ان المسألة لا بد لها من تفسير.
قد يبدو ما سأقوله غريبا، لكن هو بالفعل ما حدث، اذ بعد وصولي بيومين استقبلت دعوة عبر الهاتف مضمونها حضور حفل لموسيقى كلاسيك في مكان يدعى (بيت الوادي) للوهلة الاولى لم افهم ما المقصود ببيت الوادي ؟ هل المقصود منطقة بعينها؟ ام حديقة عامة؟ أم قاعة موسيقية؟ لا سيما وانني لسنين طويلة بعيدة عن وطني، ونتيجة لعدم معرفتي بيت الوادي انصب كل اهتمامي في معرفة العنوان والموقع إلا ان كل ذلك لن يحول دون ملاحظة تكرار حرف (الباء)، واجتماعه مع الموسيقى الكلاسيكية.
ففي يوم الثالث من شهر فبراير، وحين الوصول الى بيت الوادي، اكتشفت ان الاخير هو بيت الفنان : محمد الزبير (معالي المستشار: مستشار جلالة السلطان لشئون التخطيط الاقتصادي)، الذي كان في استقبال ضيوفه بتألقه ورقته المعهودين.
فكم كانت مفاجأة سارة، ان ارى مفردات حلمي تتضافر على نحو فني لتشكل لوحة بديعة قوامها الواقع.
اذ الواحة التي تلذذت بمذاقها في حلمي لم تكن سوى وطني الذي تفسر في الواقع على هيئة سيمفونية رائعة تحمل اسم (النهضة) من تأليف: ( ايفانا لودوفا ـ IVANA LOUDOVA ) ـ حرم السفير الايطالي بالسلطنة ـ ومهداة الى رائد النهضة العمانية الحديثة، صاحب الجلالة : السلطان قابوس بن سعيد المعظم.
ورائعة (النهضة) عزفت عزفا رباعيا ( QUARTET ) ، من قبل عازفين ماهرين كرموا عدة مرات في ايطاليا، فضلا عن هولندا ودول اخرى.
ان ضمن ما يميز الفرقة الرباعية ـ المسماة بـ( ماثيلدا نوستيتس ، MATHILDA NOSTITZ ) ، المؤسسة عام 1994م ـ بجوار اتقان العزف الذي يؤكد التفرد الابداعي، انتسابها الى عائلة (ماثيلدا) عائلة حرم السفير الايطالي.
وفي محاولة مني لاكتشاف العلاقة بين الموسيقى وهذه العائلة، توصلت بمقدار ما سمحت به مكتبتي الخاصة، الى ان (ماثيلدا) اسم لعائلة ايطالية لها تاريخ طويل في عالم الموسيقى الكلاسيكية، تمتد جذور العائلة الى القرن الثامن عشر الميلادي، بل وعرف افرادها طوال المراحل الزمنية بالعزف المنفرد على آلة (الكمان).
ومن ثم فليس بغرو ان تعزف الفرقة الرباعية مقطوعة (النهضة)على آلات الكمان بمختلف احجامها وانواعها، اذ تم العزف بآلة الكمان الصغيرة في الحجم الـ( VIOLIN ) ، وبآلة الكمان المتوسطة الـ (VIOLA ) المخصصة لنغمة الـ(مو)، وبآلة الكمان الكبيرة الـ (CELLO ) او (الفيولونسيل).
والمقطوعة الموسيقية مجزأة الى اربعة اجزاء هي: السندباد ونزوى ومسقط والمحيط الواسع.
ولما كان اسم المقطوعة هو (النهضة) فمن الطبيعي ان تستوحي نغماتها من تاريخ عمان الحديث، حيث وردت الالحان انعكاسا صريحا لروح النهضة بمختلف مراحلها الزمنية، والمستمع الى اللحن ليس بحاجة الى التخصص العميق في الموسيقى، اذ يكفي التذوق والحس المرهف لديه ليعرف ان لحن المقطوعة بأجزائه ومسمياته، مرآة تعكس من خلال النغمات الصادقة والمعبرة والمؤثرة والمتفاعلة، صور عمان عبر التاريخ حتى وقتنا الحالي.
فالجزء الاول: والمسمى بـ(السندباد)، يغزو اذن المستمع بنغمات قوية فجائية تخرج لتشكل لحنا طوفانيا طاغيا، يعبر عن حدث بعينه، هو خروج البطل (سندباد) ـ بطل من ابطال الف ليلة وليلة ـ في رحلات مغامراته البحرية والبرية، بهدف سبر اغوار المجهول واستكشاف الجديد.
وغنى عن البيان ان قص رحلات السندباد في كتاب الف ليلة وليلة لم يكن القصد منه رصد المغامرات فحسب، بل تثبيت معنى الاستفادة، وترسيخ قيم انسانية محددة، فضلا عن مفاهيم اخلاقية وجمالية بناءة.
وعليه فإن العلاقة بين المسميين (النهضة) و (السندباد) علاقة رمزية، اذ السندباد المقصود في اللحن ليس هو سندباد الف ليلة وليلة، وانما هو نموذج أدبي او معادل موضوعي ، لشخص صاحب الجلالة القائد المفدى السلطان قابوس المعظم ، رائد النهضة العمانية الحديثة ومؤسسها.
والنغمات التي لاحقت المستمع، في شكل طوفاني، هي تعبير بالصوت عن نقطة تحول في تاريخ عمان الحديث (سنة 1970)، حين تولى صاحب الجلالة الحكم وكشف النقاب عن شعبه، بأخذ يده لاستكشاف المجهول، وتعرف العالم الخارجي فضلا عن التواصل معه.
ليس هذا فحسب، بل ان تقطيع نغمات اللحن على نحو جزئي، يعبر كل منها عن مرحلة من مراحل رحلات سندباد الطويلة، انما هو ترميز لرحلة صاحب الجلالة في الخارج من اجل التعليم، ومن ثم استكشافه للحضارات والثقافات الاخرى، فضلا عن التكنولوجيا والفنون والرقى والتطور … الخ واستيعاب جلالته لجميعها، وادراكه مدى اهمية تطبيقها من اجل النهوض بشعبه.
والجزء الثاني: والمسمى بـ(نزوى) هو عودة الى الماضي من خلال استرجاع يتم بنغمات اهدأ نسبيا من سابقتها، حيث تأخذ النغمات ـ في تقسيماتها ودرجة صوتها ـ المستمع الى (نزوى) عاصمة عمان الاولى، وعبق التاريخ، فمن خلال التذوق لطبيعة النغمة من حيث العلو والهبوط، يستطيع المستمع الوصول الى دلالة مؤداها ان النهضة هي ثمرة انتقاء من الماضي (الموروث)، والحاضر (الحديث).
الجزء الثالث: (مسقط) تفسير فعلي لحركة النهضة من حيث ابعادها المختلفة، المتمثلة في مسقط عاصمة عمان الحديثة، فالنغمات الطويلة التي تتخلل اللحن تعكس امتداد النهضة وتقدمها وتطورها، ووصولها الى بقية مناطق السلطنة، على نحو يكفل الامتداد والوصول التحقق والانجاز اللذين يكفلان مستقبل عمان عبر الزمان والمكان.
الجزء الرابع والاخير: (المحيط الواسع)، امتداد نغمي آخر، يؤكد استمرارية النهضة وشموليتها، من خلال طبيعة نغمات اللحن، ورمزية اسم (المحيط)، بما فيه من مائية توحي بالحياة، وحركة تؤكد التواصل، واتساع يحقق الشمولية والهيمنة.
لم يقف العزف الرباعي الايطالي عند حد مقطوعة النهضة، بل امتد ليمتع المستمع بمقطوعات اخرى من سيمفونيات (دفوراك ـ DVORAK ) و(موزارت ـ MOZART ) .
وحرف (الباء) المضمن في واحتي كان (بيت الوادي) في الواقع، الذي بدا اكثر سحرا وجمالا من واحة حلمي الى درجة تجعلني اقول:  ان (بيت الوادي) كسر بالقاعدة، لان الاحلام عادة اجمل من الواقع.
واذا كان ثمة نظرية في الفن تذهب الى ان المكان بقاطنيه، اي انه يبادل الانسان علاقة التأثر والتأثير، فإن (بيت الوادي) توأم روحي للفنان محمد الزبير، وتعبير صادق له من حيث الذوق والرقة والرقى، فضلا عن الانسجام والتوافق والاتساق.
ان الزائر لـ(بيت الوادي) يشعر ان ذاتية محمد الزبير بكل فنيتها تمتد على هيئة الوان طيف لتصبغ المكان بمن فيه وما فيه بجمال يتبدى في كل ما يحيطه (أى الزائر)، وفي الانتقاء البشري الراقي.
ولذا لا املك الا ان اقدم لمعاليكم باقة من اوركيد الشكر على الدعوة الساحرة التى تشكلت فى الحلم، وتحققت في الواقع، واكتملت بوجودكم.

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s