دراسة تحليلية للمضامين النفسية في رواية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحى

تمهيــد :
قبل الخوض فى تفاصيل هذه الدراسة من حيث دوافعها ومنهجها وطبيعتها , حرى بنا أن نلفت الانتباه إلى أن دراستنا التحليلية للمضامين النفسية فى رواية “الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى غير مسبوقة اللهم إلا من بضع تناولات اهتمت بتقديم أفكار عامة بصدد الرواية من حيث بنيتها وسردها ولغتها وأحداثها(1), لكنها لا تعد دراسات تحليلية بالمعنى الدقيق للكلمة , وهذا لا يقلل من شأنها ; إذ أفدنا منها فى دراستنا .
دوافع الدراسة :
إن رواية  ” الطواف حيث الجمر ” لبدرية الشحي(2), هى أول رواية لقاصّة عُمانية; إذ لم تسبقها كاتبة عُمانية أخرى فى الإنتاج الروائى . ولبدرية الشحى أكثر من ثلاثين قصة قصيرة منشورة منذ تموز / يوليو 1986م(3), بيد أنها غير مضمنة فى مجموعة قصصية . ويلزم التنويه إلى أننا لم نعثر على أية إشارة مرجعية لتلك القصص باستثناء ثلاث قصص : عرسها – البركان – هاتف الإنذار(4).
واختيارنا للرواية سالفة الذكر موضوعاً للدراسة , لا يكمن فى كونها أول رواية لقاصّة عُمانية فحسب , بل فى مضمونها ; طبيعة الحدث , بما فيه من تشكيل ما ضوى لصدى تاريخى عن وقوع المهجر العمانى الأفريقى . فالرواية تدور حول هروب (زهرة) الفتاة العُمانية ابنة الشيوخ التى تبلغ من العمر ثلاثين عاماً , من منطقة (نزوي) بسلطنة عمان إلى جزيرة (زنجبار) بجنوب شرق أفريقيا , بحثاً عن حبيبها (سالم) وهو ابن عمها , الذى تركها دون الزواج منها , ذاهباً إلى الجزيرة ذاتها ليتزوج من امرأة أفريقية . وتتلخص حبكة الرواية فى ازدراء (زهرة) للحياة التقليدية الرتيبة بمنطقة (نزوي) بما فيها من قهر للمرأة , وكذا فى رفضها الزواج من (عبد الله) ابن عمها الذى يصغرها سناً والذى خطبت له بعد أربعين يوماً من رحيل (سالم). ومن ثم هروبها إلى أفريقيا تاركة أهلها يتمرغون فى وحل العار والفضيحة اللذين ألبستهما إياهم ابنتهم الوحيدة(5).
إن ” زهرة ” فى الرواية هى الشخصية الرئيسية (البطلة) والعنصر المهيمن فى النص الروائى الذى ينظم العناصر الأخرى ويحددها , ويضمن تماسك البنية الفنية وتلاحمها. كما أنها شخصية ذات كثافة سيكولوجية , بما تنطوى عليه من صراع داخلى , يعكس أزمة نفسية تتمثل فى علاقة زهرة بذاتها وبالآخر. وتوجد شخصيات أخرى رئيسية مثل : النوخذة سلطان, البحار صالح , الحبيب سالم . أما بقية الشخصيات فهى شخصيات ثانوية أو هامشية مثل : ربيع , إلياس , كتمبو , كوزى وغيرهم .
ويقوم السرد فى رواية “الطـواف حيث الجمر” على مناجاة نفسية طويلة تعيشها ” زهرة ” خلال حدث الهرب, لدرجة أن هذه المناجاة تشكل لازمة فى الرواية , وتؤثر على الرؤية السردية , بجعلها رؤية داخلية , عبر مشاركة الذات الراوية وفعاليتها فى سياق الأحداث. والمناجاة ذاتها هى التى تشكل طبيعة علاقة زهرة بذاتها وبالآخر , إذ تصبح مثار جدل حول مدى هذه العلاقة وإشكالية تعقدها ودرجة غموضها وغرابتها. هذا فضلاً  عن أنها تبلور حالات التداعى النفسى التى تعبر عن فقدان ” زهرة ” تواصلها مع ذاتها أو مع الذوات الأخرى , فتجتر ما بداخلها من حالات شعورية ولا شعورية .
منهج الدراسة :
وحيث إن زهرة شخصية محورية ذات كثافة سيكولوجية , تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها سواء أكان صراعاً داخلياً أم خارجياً , وبالتالى تعد مفتاحاً أساسياً فى تحديد المضامين النفسية فى الرواية وكشف أيديولوجية النص , بالوقوف على مقومات هذه الشخصية وسبر أغوارها , وصولاً  إلى سماتها وأفكارها وانفعالاتها , فإن الكشف عن كل ما يمت بصلة للجانب الباطنى لهذه الشخصية هو الهدف الأساسى لهذه الدراسة .
من ثم , فإن دراستنا للمضامين النفسية لرواية  ” الطواف حيث الجمر”, سوف تستند إلى المنهجين النفسى والتأويلى , نظراً لوجود علاقة متبادلة بين الأدب وعلم النفس.
فسيجموند فرويد Sigmund Freud ، يرى أن النص الأدبى يعد مصدراً توجيهياً للتحليل النفسى , والطريقة القويمة فى فهم هذا التحليل , بما يزخر به النص من إبهام وتعقيد ومرجعية ذاتية غنية بالمعاني(6). كما يذهب إلى أن الذات (الأنا) تنقسم إلى: شعور ولا شعور ، وأن العمليات النفسية فيها تحوي النوعين . والشعور هو ما يتم بالعقل الواعي الذي يعبر به الشخص عن تقديره للأشياء كالأحكام الأخلاقية والدينية والسياسية ، وهذا النوع مكتسب من البيئة غالباً وبإقرار منها ، أما اللاشعور فهو عبارة عما يتم من عمليات أصلية في النفس البشرية تتمثل في الرغبات المكبوتة التي لم يسمح بها العقل الواعي أو البيئة الاجتماعية في أصلها الأصيل. وهذه الرغبات المكبوتة لا تندثر بل تظل تعمل في خفاء وتؤثر بطريقة خفية في سلوك الإنسان وموقفه من المثل والقيم على اختلاف أنواعها ، إذ تحتال للظهور على السطح في شكل قلق وخوف وحزن وفقدان ثقة(7).
والرواية، من منظور جاك لاكان Jacque Lacan ، هي ” موضوع من موضوعات الرغبـة، يتقلب في أشكـال عديـدة ” (8)، واللغة فيها ” إزاحة كنائية للرغبة”(9). من ثم تتبدى أهمية اتجاه (جاك لاكان) نحو القراءة التحليلية ، حيث ” إن ما يمكن قراءته ( وربما ما يجب قراءته) ليس المعنى ولكن الافتقار إلى المعنى ، إن الدلالة لا تكمن في الوعي ، لكنها تكمن بصورة خاصة في تمزقه “(10) ، الأمر الذي لا يتأتي إلا بمساءلة النص واستنطاقه.
من ثم فإن تحليلنا للمضامين النفسية في الرواية موضوع الدراسة سوف يعتمد على منهج فرويد في تحليل شخصية زهرة من حيث الشعور واللاشعور ، لا سيما في ارتباطهما بالعقدتين الأوديبية والنرجسية. ذلك أن الرواية في مجملها تمثل أزمة نفسية متعددة الأصوات وذات صلة في الوقت نفسه بقضايا اجتماعية وتاريخية وفكرية. كما أن منهج “لاكان” في اتخاذ مركزية اللغة أساساً لعمليات التحليل في النص الروائي ، من شأنه أن يساعدنا في إلقاء مزيد من الضوء على أبعاد الرواية بغية استكشاف التجربة النفسية وتفسير الدلالات الكامنة وراءها، والتي لا تتأتى إلا من خلال عملية التأويل للغة السرد.
الدراســــة (*) :
أولاً : الشعـور :
أ – الإحساس بالقلق :
لما كانت الكلمات في السرد الروائي ، علامات حية ، تعبر عن أكثر من معنى ، وتمس أكثر من دلالة ، الأمر الذي يلزمنا الوقوف على لحظة سردية هامة في رواية “الطواف حيث الجمر” ، وهي لحظة ” ميلاد زهرة ” بملابساتها النفسية والجسدية ، وبما تنطوي عليه هذه اللحظة من دلالة أساسية تتلخص في كلمة القلق . ذلك القلق الذي لا ينتاب الإنسان إلا حينما يعي وجوده وإمكانية تحطم هذا الوجود ، وبالتالي إحتمالية فقدان الإنسان نفسه وصيرورته إلى لا شيء(11).
فـ ” زهرة ” تبدو لنا في بداية الرواية ، مناجية نفسها ، ناظرة إلى المرآة ، لترى ذاتها ” إمرأة عانساً  ، تعدت الثلاثين “(12) ، وذات  شعيرات بيض(13). وعملية نظر زهرة إلى نفسها في المرآة تتكرر في أكثر من موضع في الرواية(14).
وبالرجوع إلى كلمة ” المرآة ” في النص الروائي ، نجد أنها قد تعدت دورها اللغوي من مجرد الإشارة إلى شيء محدد في العالم الخارجي إلى رمز قابل للتأويل ، يكوّن مبدأ بناءً وموضوعاً أساسياً للنص.
فالمرآة التي تنظر إليها زهرة تحوي – بما ينعكس على صفحتها من صورة زهرة – فعلاً مزدوج الدلالة ، إذ فيه تكمن عملية النقل الأمين لصورة زهرة كما هي عليه في الواقع ، بمواصفاتها الظاهرية على النحو الذي أظهرته العبارة السابقة ، كما تكمن فيه في الوقت ذاته عملية النقل غير الأمين أي الصورة المعكوسة لزهرة . وعملية الانعكاس ، بما فيها من فعل مزدوج ، تعد أساساً للإدراك الجدلي لدى الإنسان فيما يتعلق بصورته المرآوية التي تتيح له معرفة ذاته ” الأنا ” من خلال الأنا الأخرى ” صورته ” المنعكسة على صفحة المرآة. وهنا يكمن الإحساس بالذاتية والآخرية . ومن ثم يتبين أن ” علاقة الإنسان بالصورة سواء صورته هو نفسه أو صورة آخر غيره ، إنما هي علاقة جدلية قوامها الهوية والاختلاف، أو العينية والغيرية معاً “(15) ، على نحو ما يؤكده النص الروائي ؛ فزهرة ترى ذاتها امرأة عانساً تجاوزت الثلاثين من عمرها وقد اببيض شعرها. ثم هي في الوقت نفسه ترى الآخر من خلال مشاعرها إزاء الصورة المنعكسة أمامها على المرآة كما يتبدى في قولها ” امرأة أخرى تنظر لي ، امرأة ليست ذاتي وتكويني “(16)، ومن ثم تكره منظر جسدها في المرآة ، حيث تغير وجهها تماماً.
كما أن عملية انعكاس صورة زهرة في المرآة تؤكد فكرة وجودها الواقعي الملموس، ذلك أنه في عملية انعكاس صورة الإنسان على المرآة تحويل لهذه الصورة من الذاتية إلى الموضوعية ، بمعنى أن تصبح الذات موضوعاً خارجياً خاضعاً للتأمل والحكم والدراسة ، شأنه في ذلك شأن موضوع خارجي آخر(17). وهو ما تؤكده عبارة النص الروائي بما فيها من حكم تقييمي وتأملـي ، حين تعلل “زهرة” هروبها إلى أفريقيا بقولها : ” فأنا ما جئت على هذا المركب إلا بعد أن يئست من صورتي المشوهة في الجبل”(18).
والمرآة في حد ذاتها رمز للمعرفة ، بما تتضمنه من تحول داخلي لدى الإنسان ، يتمثل في وعيه بمعرفة ذاته ، حال رؤيته صورته المنعكسة . ذلك الوعي الناجم عن الرؤية الثاقبة والفكر السديد اللذين يتشكلان من خلال عملية الانعكاس Reflection ، بما فيها من سقوط للضوء على صفحة المرآة وارتداده مرة أخرى.
وهذه العملية تومىء إلى عملية تتضمن التأمل والتفكير ، بما ينطويان عليه من ارتداد العقل على نفسه من أجل إعادة النظر فيما يعقله ، فضلاً عن استخلاص العبر والفكر(19). وبذا تعد المرآة “وسيلة تغيير وتصحيح ، من أجل أن يرقى الإنسان ، سواء في معرفته أو في سلوكه ، إلى مرتبة أعلى مما هو عليه في الواقع “(20).
فزهرة الناظرة لصورتها المنعكسة على صفحة المرآة يتولد لديها وعي بأن هذه الصورة مشوهة ، مما يدفعها إلى إعادة النظر في هذه الصورة وتأملها ، ومن ثم تقييم طبيعة حياتها (أي زهرة) التي تنطوي عليها هذه الصورة ، وهو ما يؤكده السرد الروائي عبر المناجاة الداخلية المتكررة ، ومنها قول زهرة ” أقضي يومي في دائرة مكررة ، لا جديد ولا حياة “(21).
وما أن تدرك زهرة هذه الصورة المشوهة ، ترفضها ، ومن ثم ترفض ألا تختلف وهي اليوم في الثلاثين عن طفلة الثالثة بالأمس . وتتبدى بوادر هذا الرفض الرامي إلى التغيير في رفضها الزواج من ” عبد الله ” ، ابن عمها ، الذي يصغرها سناً(22).
وإذا كانت المرآة رمزاً للمعرفة ، فإنها في الوقت نفسه رمز يرتبط بالموت أو الخوف منه ؛ حيث إنها تبطن جميع الدلالات المستوحاة من رمزية الماء فيما يتعلق بالموت وذلك بمرجعية خرافية(23). وأسطورية(24)، وشعبية(25) ، على اعتبار أن المياه “مرايا مجازية”، فضلاً عن كونها أول مرآة طبيعية في الوجود.
ولكي نصل إلى دلالة الموت وارتباطها برؤية زهرة لصورتها ، ينبغي أن نلفت النظر إلى أن اللحظة – التي ترى فيها زهرة نفسها في المرآة امرأة عانساً ، ذات شعيرات بيض ، بما في اللون الأبيض من إيحاء زمني وتعبير عن الحالة السيكولوجية لزهرة – هي اللحظة نفسها التي تشكل أيضاً نرجسية زهرة وإحساسها بذاتها ، من خلال مرآة مجازية أخرى هي العين التي تعد ” مرآة للروح أو النفس “(26) ، وهو ما يتبدى في العبارة الاستدراكية في مناجاة زهرة لذاتها وفي اللحظة ذاتها ، حين تقول : “مع أن وجهي ما يزال بهياً مخضباً وعيناي خضراوان حلوتان “(27) ، فالعبارة بما فيها من زمن مضارع دال على الاستمرارية، تؤكد دلالات الحيوية والجمال ، اللذين تبرزهما المفارقة الشكلية والدلالية بين لون الشعر (الأبيض) ولون العين (الأخضر)، وهي مفارقة تنطوي على ثنائية الموت والحياة ، والنهاية والبداية . والعين بلونها الأخضر ، بوصفها مرآة مجازية أو رمزية في العبارة سالفة الذكر ، تؤكد دلالات التحدي والثبات ، فضلاً عن الإشراف والجمال ، وهي دلالات ترتبط أساساً بالعين ، باعتبارها (رمزاً)(28) تلك الدلالات التي تتبدى في موضع آخر من الراوية، يومىء إلى نرجسية زهرة وإعجابها بجمالها ، حيث ترى عينيها ” جنة خضراء ” من خلال مرآة الآخر ، المتمثلة في عيون الآخرين(29).
وإذا كانت العين – فيما تقدم – مرآة مجازية ، تعكس نرجسية زهرة ، فإن هذه النرجسية – وفقاً للتفسير النفسي لأسطورة نرسيس – تكون مدعاة لإحساس زهرة بالهلاك والموت ، وهو ما يتبين من النص الروائي في اللحظة ذاتها ، حين ترى زهرة صورتها ” على لجين الماء مضببة وغامضة “(30)، الأمر الذي يؤكد لنا أن المياه مرايا سحرية تنكشف من خلالها خبايا النفس ، فهي ” وسيلة لمعرفة الذات ، وإن كانت معرفة آسرة ومهلكة لصاحبها “(31).
وهكذا يتبين لنا أن توظيف رمز (المرآة – العين – الماء) ، كان وسيلة زهرة في معرفتها ذاتها وإحساسها بهذه الذات وإدراكها لها ووعيها بها ، ومن ثم تأملها وإعادة النظر في نهج حياتها ، وبالتالي كان شعورها بالقلق وإحساسها بالموت والهلاك.
وإذا كان الهلاك قد تم استنباطه من الماء. باعتباره مرآة مجازية أو رمزية ، تعكس صورة زهرة بالمواصفات السابقة الذكر ، فإن السرد الروائي يؤكد ذلك الهلاك عبر مناجاة ذاتية متكررة ، تفصح عن مدى قلق زهرة على وجودها الحاضر (الآني) ، وإحساسها بانسلاخه منها، حيث تقول : ” لقد ضاع عمري عبثاً “(32).
ب – الإحساس بالكبت والقهر :
إن حاضر زهرة الزاخر بأحاسيس الهلاك والموت والشعور بالقلق على وجودها ، إنما هو امتداد لماضٍ مأساوي . والماضي هو ” الزمن الوحيد القابل للتذكر ، ومن ثم كان الزمن القابل للتأمل “(33). وبناء على ذلك رأينا من الأفضل أن نرصد بعضاً من تأملات زهرة عن ماضيها في مرحلة الطفولة ، من منطلق أن هذه المرحلة تعود بزهرة إلى التجارب الأولى ، وتعد قيمة أساسية بما فيها من أحداث ووقائع لها تأثيرها على نفسية زهرة بما تنطوي عليه من أحاسيس ومثيرات تحرك دوافع سلوكها وأفعالها في الحاضر والمستقبل. فضلاً عن أن هذه المرحلة تمثل بداية ارتباط زهرة بمجموعة من ” التابوات ” Taboos ، ويقصد بها المحظورات ” بحكم التقاليد من خلال السلطة العائلية والاجتماعية “(34)(*) كما تمثل بداية معاناتها صنوف القمع والقهر والكبت التي لازمت زهرة في مراحلها العمرية المختلفة.
ولما كانت ظاهرة القمع من ” أبرز الظواهر التي تعاني منها المجتمعات العربية ، وذلك على كافة الأصعدة وفي جميع المؤسسات الاجتماعية في الأسرة ، والمدرسة ، والحزب والمجتمع ، فهناك قمع أبوي ، ومجتمعي ، وسلطوي “(35) فإن الرواية تعكس هذه الظاهرة. فزهرة لا تنسى الصفعة الأولى في طفولتها من أخيها ” محمد ” بعد ما خدشته بأظافرها إثر وصفه إياها بالشاه ، ليس لأن الصفعة كانت ” ساخنة ومهينة ” ، بل لما تقوله هي : ” الشكوى لأبي مذلة “(36) كما لا تنسى توبيخ أمها لها حال استحمامها وهي طفلة، قائلة لها ” تستحمين مع الصبية ، وافضيحتاه ، أخ عليك “(37) فالموقف بما فيه من قمع لرغبات الطفولة وكبح لنزعاتها ، راسخ في ذاكرة زهرة ، تسترجعه دوماً بتفاصيله الدقيقة . كذلك تسترجع حرمانها من متعة وجودها في درس القرآن ، بدعوى أن أمها “تحتاج إلى من يساعدها في العجين”(38).
ولا تقف مشاهد كبت نزعات الطفولة لدى زهرة والتي تسترجعها عبر الذاكرة ، عند كبح الحركة الجسدية التي تعد أبسط صور الحرية ، بل تتجاوزها إلى فرض حاجز مادي ومعنوي بينها وبين الآخر ، متمثلاً في ” البرقع “(39) الذي أرغمت عليه في طور المراهقة.
والمشاهد السابقة تجسد ماضي زهرة في مرحلة الطفولة وبداية المراهقة ، وهو ماضي ” القسوة والتناقض والإهمال “(40) كما تتذكره زهرة ؛ ماضٍ أفرزته إحدى السلطات الاجتماعية متمثلة في سطوة الأب والأم، ومجموعة من المحظورات الاجتماعية (العادات والتقاليـد) التي تؤكـد زهرة رسوخها بوصفها إياها بـ “القوانين المرسومة رسماً “(41) ونظراً لأن زهرة عانت – ولا تزال – من وطأة هذه القوانيـن، فليس بمستغرب أن تصفها بأنها إرث لا يرحم ، مذل ، مريض ، معتوه ، وبغيض(42). ذلك أنه لم ينجم عن تلك القوانين سوى ذاتية ممزقة ، تائهة أسيرة الشعور بالذنب والخطيئة، لا هدف لها ينتابها شعور بالضياع وإحساس بالاغتـراب الذاتـي ، كما يتبدى من قول زهرة : ” إني بنفسي لا أعرف شيئاً عن نفسي “(43).
ولم يكن شباب زهرة أسعد حظاً من ماضيها ؛ إذ لم يتعد كونه حيزاً متكرراً لتعب جسدى ، تعبر هي عنه بقولها : ” أخدم كالبغل جيئةً وذهاباً ، أستيقظ فجراً ، ولا أتوقف حتى الليل “(44). وإذا كان كل ما سبق يمثل صورة واقعية لذاتية زهرة ، بما فيها من إحساس بالقمع والكبت والقهر ، فإن أركان هذه الصورة تكتمل بمواقف أخرى يتبدى فيها إحساس زهرة بالموت المعنوي(45)، الذي يعد أكثر إيلاماً من الموت الحقيقي (الجسدي)، كما يتبدى فيها الشعور بالخجل المفرط، فمن هذه المواقف تعثر زهرة في حوارها مع النواخذة ” سلطان ” إثر مغازلاته المتكررة لها ، وعقب إخباره لها بأنه ما نظر إلى امرأة إلا نال منها مأربه ، فتقول : “لم أعرف رداً ، كنت أتحدث للمرة الأولى في حديث محرم ، بأمر الموروث “(46).
وماضي زهرة ، بقوانينه الثابتة ، يظل يطارها في أماكن عدة(47). حتى أنها ، بعد هروبها ووصولها إلى أفريقيا وبلوغها قمة السعادة والمال والسلطة ، تقول : “الماضي وحده ثقيل …, يضغط على أنفاسى , يخنقـنى خنقـاً …, جاء … ليذكرنى بأنى شريدة بائسة” (48).
وهذا الماضى الذى يتربص بزهرة ويخيفها , يتمثل لها فى حالات اليقظة فى صور شتي, فقد يأتى على هيئة ” خنجر” مميت(49), أو فى صورة ” منجل أو شفرة سكين”(50) أو فى شكل  ” شبح ” مخيف(51).
إن حالات القمع والكبت التى تزخر بها طفولة زهرة ومراهقتها , واستمرار نظائر هذه الحالات فى مرحلة شبابها, دليل على الظلم الاجتماعى وغياب العدل وموت الحرية وقيم الجمال , كما تكشف تلك الحالات من خلال ما توحى به من دلالات معينة أبرزها: (الخطيئة – الذنب – العار – الخجل – العيب) عن أيديولوجية خاصة بمجتمع معين تجاه المرأة ووضعها , وهو ما تؤكده لنا المقارنات التى تعقدها زهرة بينها وبين الآخر والتى تفصح عن إحساسها بالدونية والقزمية .
جـ – الإحساس بالدونية والقزمية :     وذاتية زهرة الضائعة , الحافلة ” بالمتناقضات “, ومن ثم لا تملك ” مصوغات الحقيقة”(52), هى ذاتها التى تقع فريسة مقارنات بينها وبين الآخر . تلك المقارنات التى تأتى من منظور داخلى (ذاتي), مما يجعلنا نتساءل : إلى أى مدى تبدو لنا رؤية زهرة لذاتيتها الخاصة على حقيقتها دون مواربة أو أقنعة? وكيف تفصح هذه المقارنات عن العلاقة المرآوية بين (الأنا) أى زهرة وبين (الآخر)? وهل هذه المقارنات ذاتها هى التى تدفع زهرة إلى خلق واقع آخر بداخلها , يعبر عن أيديولوجيتها المتولدة عن ضرورتها النفسية , ومدى معايشة زهرة لهذا الواقع وكأنه حقيقة?
فزهرة تسترجع فى شبابها إحساسها بالذل والعدمية , من جراء التفرقة فى المعاملة بينها وبين أخيها محمد من قبل أبيها , إذ كان يعاملها بقسوة مفرطة فى الوقت الذى يحنو فيه على أخيها, وهو مشهد تسترجعه زهرة دوماً(53), حتى بات إطاراً نفسياً خانقاً لها , لا سيما وأن القسوة لم تكن من جانب الأب فحسب , بل من الأم أيضاً (54) .
وليس أدل على إحساس زهرة بالذل والعدمية من ملابسات موقف بلوغها الحلم, حين صورته الأم برمته ” موتا “, بينما لم يكن ” التهويل ذاته ” عندما بلغ إخوتها الحلم, إذ “كانت النظرة مهووسة بالكبرياء , نظرة تحمل مئات الزغاريد (ومن ثم تستطرد قائلة) وإخوتى لم يكونوا مطأطئ الرأس كما كنت , كانوا فخورين, رجال يضربهم أبى بزهو على ظهورهم وتتلقاهم أمى بالود والبشاشة”(55).
واستناداً إلى اتجاه ” جاك لاكان ” فى عملية التحليل والتعامل مع لغة السرد من حيث إن ما يقتضى التحليل فى النص ليس المقروء المفهوم , وإنما الخفى وتأثيراته (56) , نقول إن معاناة زهرة النفسية لم تبرزها طبيعة المواقف , التى تتجلى فيها صور التفرقة فى المعاملة , ولغة السرد فحسب , بل المفارقة المضمنة فيها والتى تُستشف حال الرجوع إلى تلك المواقف فى الرواية , حيث تنبثق من هذه المفارقة ثنائيات تتمثل فى : القبح والجمال , العبوس والابتسام , القسوة والحنان , الخوف والأمان , الألم واللذة , التعب والراحة , القمع والحرية , الذل والكبرياء , العبودية والسيادة .
والمفارقة المنبثقة عنها هذه الثنائيات , تتضمن نفى أرقى القيم الجمالية الإنسانية وأسماها لدى زهرة وهى الحرية بكل أنواعها . وليس أدل على ذلك من رؤية زهرة – بعد ظنها أنها نالت حريتها – مشهد طفلة فى إحدى غابات أفريقيا , إذ تقول واصفة إياها ومقارنة بينها وبين نفسها حال طفولتها : ” هذه الطفلة العارية الساقين, الراكضة بحرية… ما كنت أعرف أن أركض بحرية مثلما تفعل هى بلا رقيب , تتعارك فى التراب , وتشد شعورهم (أى الأطفال) ضاحكة , ما جرؤت على (مثل هذا) …, كنت ابنة شيوخ غير كل البنات”(57).
والمشهد برمته لا يعود بزهرة إلى تداعيات الطفولة بكل ما فيها من إحساس بالاغتراب الذاتى زمانياً ومكانياً , ومن قيود مادية ومعنوية أو جسدية ونفسية فحسب, بل إنه يتجاوز كل ذلك إلى تأكيد انتفاء الحرية مع السيادة كانتفاء المثال مع الواقع (ابنة شيوخ!), فالسيادة تحول الحرية من قيمة جمالية إلى قبح (عار وعيب).
وتتواصل المقارنات بين (الأنا) ” أى زهرة , والآخر , لتشعر زهرة بالقزمية والدونية, ففى حين ترى زهرة نفسها مخلوقاً ” ناقصاً “, ” فتاة حمقاء “, ” بلهاء “, “مجنونة”, ” فارغة “, ” جارية “, ” مهضومة الحق “, ” جمالها بارد “, لا تستطيع أن تنفى فى قرارة نفسها حقيقة أن المرأة ” الأفريقية السوداء “, ذات ” الأنف الأفطس”, التى أحبها سالم هى ” الأسمى والأقوي “, وهى ” الأسطورة “, وهى ” امرأة من طراز آخر” “الأميرة”, ” سارقة الأحلام “. وهذه الحقيقة, رغم أنها مثار إيلام لزهرة, فإنها تقف دليلاً  على قناعتها الداخلية بحب سالم لهذه المرأة وركضه خلفها حتى ولو جلبت له الموت , لأنها تماثل ” المستحيل” (58).
ولا تقتصر المقارنة بين زهرة والآخر على ما هو معنوى , بل تمتد إلى ما هو حسى; جسدى , لتؤكد هيمنة الإحساس بالدونية والقزمية داخل زهرة , فى مقابل سمو الآخر , فحين تقارن نفسها بنساء أفريقيا , تقر قائلة ” بجانبهن كنت أشبه بعود قش أجرب , كن يتمتعن بسمنة ناعمة محببة “(59).
وجدير بالذكر أن المقارنات الجسدية بين زهرة والآخر , بكل ما فيها من تباين , لم تبرز الفروق الجمالية الظاهرية بين الطرفين فحسب , بل اتضح من ثناياها الفروق الأيديولوجية بين المجتمعين (العربى والأفريقي); إذ أكدت افتقار زهرة العُمانية إلى مقومات إغراء الرجل وأن هذا الافتقار مرده أن الغزل المفضوح فى مجتمعها , كان – ولا يزال – “عاراً “, فى حين أنه فى المجتمع الأفريقى أمر مباح لا يستحق الاهتمام , ليس هذا فحسب, بل إنه من الأمور الحياتية الأولية(60).
والاختلاف الأيديولوجى بين مجتمع زهرة (العربي) ومجتمع الآخر (الأفريقي) لا يظهر الكبت فى الأول والحرية فى الثانى فحسب , بل إنه يبرز مدى تبلد المشاعر الرومانسية لدى زهرة التى تعلل ذلك بأن ” الحب عمره ما كان يتخطى مفهومه السائد المضبب فى تقاليدنا, مثل العيب والعار “(61).
ومما تقدم , يتضح لنا المدى الذى يلعبه الوصف فى السرد الروائى عبر مقارنة زهرة ذاتها بالآخر – سواء وردت المقارنة فى سياق موقف أو فى ثنايا مشهد أو فى تعبير مجازى أو بإشارة إلى المظهر الخارجى (الجسدي) – دوراً اختراقياً , بمعنى أنه لم يقدم بنى صفاتية للموصوف فحسب , وإنما نفذ إلى العوالم الباطنية ليكشف عن معانٍ  نفسية , فضلاً  عن أيديولوجية بعينها .
وإذا كان الإحساس بالقلق والكبت والقهر والدونية والقزمية خصائص لصيقة بالجانب الشعورى لشخصية زهرة بحيث تُبدى صورة واضحة المعالم لذاتيها فإنه , لكى تكتمل الصورة , ينبغى البحث عن صورة الآخر – فرداً كان أم جماعة- المتمثلة فى مجموعة الصفات والخصائص التى تنسبها الذات للآخر , والمسئولة إلى حد كبير عن علاقات الذات مع الآخر , ونظرتها إليه , وكذا نظرتها أيضاً إلى نفسها فى ضوء هذه العلاقات(62).
صورة الآخر :
ولما كانت صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء , قد تبدت لها غامضة ومضببة, واستناداً إلى النظرية القائلة بأن “الماء ليس فقط مرآة الذات الوحيدة الوجدانية , أسيرة نفسها, وإنما أيضاً مرآة الكون كله والعالم بأسره” (63), وكذا إلى إمكانية اتخاذ الماء ” رمزاً لإمكانية إدراك الإنسان نفسه فى آخر غيره ، حتى لو كان صورته التى هى أول آخر بالنسبة إليه , أو على الأدق : أنا آخر “(64), فإن البحث عن صورة هذا الآخر يرمى إلى الإجابة عما يلى : إلى أى مدى تعد هذه الصورة امتداداً لصورة زهرة عبر علاقتى التماثل والتباين ? وإلى أى مدى يعد تكرار هذه الصورة , عبر أى من العلاقتين , تأكيداً لها؟
ولكى نصل إلى صورة هذا الآخر , ينبغى أن نلفت النظر إلى أننا لن نعرض لشخصيات الرواية من حيث تقسيمها إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية ; إذ لا يتسع المجال لذلك , كما أن هذا التقسيم لا يعنينا قدر عنايتنا بالتقسيم من حيث الجنس (نساء – رجال) , وهو تقسيم يتمثل فى نموذجين عامّين ترصدهما زهرة , أحدهما للمرأة والآخر للرجل . ذلك أن هذين النموذجين يساعدان بشكل أقوى فى إبراز ما فى النص الروائى من دلالات وإثبات كيف أن كل نموذج منهما ينسحب على الجنس الخاص به فى شخصيات الرواية .
إن صورة زهرة المنعكسة على صفحة الماء مضببة وغامضة , لا تمثل رؤية زهرة لذاتها فحسب , بل لذوات أخريات تماثلها , كما يتبدى فى قولها : ” كم شبح هناك يشبهنى , يتخبط بالوهم وبالقهر ! “(65), فـ ” المرأة هى المرأة … طفلة وامرأة وعجوز, تصنع كل شيء , ويقع على عاتقها كل المسئوليات , ولا يبدو أنها تعرف كيف تتذمر , أو كيف تفر فى مركب يخلصها من ناسها وأهلها وعمرها الماضى “(66), وتعانى ” أكاذيب الشوق والفرح , أكاذيب العذاب والاغتراب”(67), و ” تذوب قهراً وغيرة وليس بيدها غير صبر واه “(68), ومن ثم تقر زهرة ” أنا , وربما الكثيرات معى, سنظل دائماً على يقين بأننا لا نملك قوة السيادة ” (69) , الأمر الذى يؤكده الحدث الروائى عبر مناجاة زهرة ذاتها ؛ إذ تبرز هذه المناجاة صورة الآخر (الشخصيات النسائية) فى عينيْ  زهرة , حيث يقع هذا الآخر تحت وطأة الظلم والذل والقمع والهـوان . ويتمثل فى شخصيات : ( ” أم زهرة ” و” ريا بنت شهاب” “ومريم” و”غنية” “و ” فضيلة ” و” منيرة “)(70).
وهكذا يتبين لنا أن زهرة وغيرها من الشخصيات النسائية ضحايا مجتمع يزيدهن رعباً وهماً ويصيرهن غارقات فى  ” تخبطات الوهم , والانتظار العقيم …, انتظار المجهول… والحدود التى لا ينبغى تجاوزها “(71).
وبالرجوع إلى النص الروائى , يتضح لنا أن صورة الآخر , متمثلة فى نموذج المرأة المتكرر , لم تكن سوى امتداد لصورة زهرة عبر علاقة التماثل . ومن ثم نخلص إلى أن صورة الآخر هذه ما هى إلا تأكيد لوضع إنسانى جماعى (الشخصيات النسائية فى الرواية), متجسد فى وضع فردى (شخصية زهرة). ومن هذا المنطلق يتسنى لنا القول بأن “زهرة” شخصية رمزية تمثل قيمة معينة , وذات أهمية جوهرية فى بلورة التجربة الروائية وتعميق أبعادها.
وعليه , فلا غرابة أن تبحث زهرة – بوصفها معادلاً  موضوعياً للشخصيات النسائية فى الرواية – عن الأمان فى زمانها الذى تصفه بالقسوة(72), ضارعة إلى ربها بقولها : ” خذنى للدار التى أحس بها بالأمان , والكرامة والفضيلة “(73).
وإذا كانت صورة الآخر – الشخصيات النسائية – قد بينت لنا أنها امتداد لشخصية زهرة وتأكيد لها من خلال علاقة التماثل بينهما , فإن هذه الصورة – متمثلة فى شخصيات الرجال – تبدى لنا خصائصها الشكلية وسماتها الأيديولوجية والسلوكية من خلال التباين بينها وبين زهرة , فى ضوء علاقة الأخيرة بها .
فزهرة ترى أن الرجال لا يحترمون إلا المرأة ذات السطوة ” فهم ذاتهم فى كل مكان”(74), متكبرون , متعالون , متسلطون(75), ” الرجال درجات … يتفاوتون فى اعتلاء السيادة , منهم من فى القمة ومنهم من في السفح “(76) و “قُدَّر لهم أن يملكوا كل شيء فى أيديهم , قُيَّض لهم أن يصنعوا الأعراف , يفصلونها بمقاييسهم الخاصة لتناسب جنسهم المبجل المغرور “(77), آفاقهم ضيقة والمرأة فى نظرهم ” للفراش والطبيخ فقط “(78), فما أسهل أن يضم الرجل ” متشردة تائهة للماعز فى حظيرته , يقضمها ليلة العيد , ويلقى بالعظام فى قمامة تؤمها الوحدة والهواجس “(79).
ومن سياق الاقتباسات السابقة , يتضح لنا أن زهرة ترسم إطاراً عاماً لصورة الرجل بخصائص معينة, يندرج تحته نماذج لرجال لا يشذ أغلبهم عن هذه الصورة, فالرجال فى مجتمع أهل الجبل (80) بمنطقة ” نزوي “, يتطابقون في أوصافهم مع الإطار العام لصورة الرجل، كمـا نجد تطابق هذا الإطار مع شخصيات بعينها في هذا المجتمع، والتي تتمثل فى ( ” والد زهرة ”  و” عمها ” و  ” سالم ” حبيبها و ” أحمد ” معلم القرآن )(81).
وبالانتقال إلى مجتمع البحارة سواء منهم من  قابلته زهرة فى منطقة ” صور” أو من  تعاملت معه على ظهر المركب , نجد أن أوصاف هذا المجتمع لا تخرج عن نطاق الإطار العام لوصف زهرة للرجال بكل ما فيه من مفردات (السلطة والقوة والأنانية والمراوغة والتقلب والتناقض والخداع والنفاق) (82)، والإطار العام لوصف مجتمع البحارة , بكل ما فيه من بشاعة حسية ومعنوية , ينطبق على جميع شخصيات الرجال فى هذا المجتمع . وتتمثل هذه الشخصيات فى (النوخذة ” سلطان ” والبحار “صالح” و “سليمان”)(83).
إن صورة الرجل , بما فيها من صفات تندرج تحت السلطة والقوة , تتواصل فى مخيلة زهرة حيث تسترجع حكايات جدتها التى تذهب إلى أن الرجال ” سحرة ” , والبحارة ” لصوص “, و” حفنة قراصنة “(84).
وبالرجوع إلى وصف الجدة للرجال بأنهم سحرة , نجد أن هذا الوصف يؤكد دلالات القوة والعظمة والسمو من منطلق أن ” كافة المعارف الخاصة بالسحر تنبثق من الأصل الإلهي “(85), كما يؤكد صفات الخداع والمراوغة والتقلب التى اقترنت بصورة الرجل فى النص الروائى , فضلاً  عن أن وصف البحارة باللصوصية والقرصنة لهو تأكيد لصورة الرجل بما فيها من خصائص القبح , شكلاً  ومضموناً.
وغنى عن البيان أن توظيف كلمات : (سحرة , لصوص , قراصنة) فى قالب رمزى (حكايات جدة زهرة) ما هو إلا تأكيد لكل الخصائص التى اقترنت بالرجل فى مجتمع زهرة ولاستمرارية هذه الخصائص , من منطلق أن الحكاية فى حد ذاتها رمز يحوى دلالة الزمنية الضاربة فى القدم, كما يحوى فى الوقت ذاته دلالة الاستمرارية النابعة من كون الحكاية غير مرتبطة بزمان معين .
وفى ضوء ما تقدم يتضح لنا أن الإطار العام لصورة الرجل وما يندرج تحت هذا الإطار من نماذج لشخصيات الرجال فى الرواية , ما هو إلا تمثيل واقعى لهوية الرجل فى مجتمع زهرة , كما أن تكرار هذه الصورة فى نماذج شخصيات الرجال, إنما هو تأكيد لطبيعة هذه الهوية .
وفى الوقت ذاته يتبدى لنا أن علاقة التباين بين صورة الآخر (شخصيات الرجال) بما تتمتع به من قوة وسلطة , وبين زهرة (المعادل الموضوعى للشخصيات النسائية), بما تعانيه من ضعف وقهر , ما هى إلا تأكيد لصورة زهرة واستمراريتها, من منطلق أن الضعف والقهر من معطيات القوة والسلطة , وذلك على اعتبار أنهما نقيضان أو وجهان لعملة واحدة هى النفس البشرية .
ثانياً : اللاشعور :
تعد الأحلام لدى ” كارل يونج ” المادة الأساسية التى تتجسد فيها الأنماط الأولية أو النماذج الأصلية ” “Archetypesوهى مكونات اللاشعور الجمعى , وتتمثل فى الأفكار والصور اللاشعورية الموروثة عبر الأجيال مثل الأفكار والصور المتعلقة بالله والشيطان والخير والشر والأب والإنسان والحيوان والحياة والموت والحب والكراهية(86).
وحيث إن صور الأحلام هى ” صور رمزية لا تصرح بالواقع بطريقة مباشرة, بل تعبر عن القصد منه بشكل غير مباشر بواسطة المجاز “(87), فلا غرابة فى أن الماضى الذى يتربص بزهرة ويخيفها بأشكال شتى (شبح مخيف, خنجر مميت, منجل, شفرة سكين(فى حالات اليقظة , هو ذاته الذى يظهر لها فى حالة ” التهويم” التى تشتمل على : الأحلام وأحلام اليقظة والأخيلة والرؤى والهلاوس , وصور خيال ما قبل النوم وصور خيال ما بعد الاستيقاظ(88).
ففى حالات الهذيان – مثلاً – التى تنتابها عقب إصابتها بنوبات السعال , يطاردها الماضى على هيئة شبح مخيف يهاجمها فى شكل دخان كثيف , حيث تهذى قائلة “خيوط دخـان…, رؤوسهـا إخوتى …, فروعها فى كل مكان , دخان يخنقنى , يلفنى, ويقيدني”(89). وفى حالات الهذيان هذه , يخيل إليها أن هناك من  يراقب معاناتها وضعفها مثل : خادمها الأفريقى “كتمبو” الذى يراقبها من فوق هضبة والنوخذة “سلطان ” الذى يراقبها من على الصارية بعينىْ  نسر , منتظراً سقوطها وعثرتها(90).
ولا تختلف صورة الماضى الذى يطارد زهرة فى حالات الهذيان عن صورته وهو يطاردها فيما يعتريها من كوابيس إذ تصف حالتها ” أنتفض ليلاً, عرقانة , مبللة الثياب , يحدونى الظلام والفزع ويتقمصنى شيطان مزعج بيده خنجر مسموم يغرزه فيَّ غرزاً متلاحقاً”(91).
وحيث إن حالة التهويم تحوى – فيما تحوى – أحلام اليقظة والأخيلة , فإن مشهد مطاردة الماضى لزهرة على هيئة منجل أو شفرة سكين , محفور فى ذاكرتها ؛ إذ تسترجعه وهى فى السيارة فى طريقها إلى المركب , وكذا حال وجودها على ظهر المركب وأيضاً فى وسط إحدى غابات أفريقيا(92).
وبما أن الرموز تعد جزءاً هاماً من جملة العمل الأدبى , والمجال الرمزى  ” يقوم على أساس من تجارب الأفراد فى مجتمع معين وفى مكان وزمان معينين “(93), وزهرة ما هى إلا ابنة مجتمع شرقى عربى (عماني), يهيمن عليه الرجل الذى يمثل سلطة اجتماعية , والخنجر والمنجل والسكين كلها صور مجازية لا ترمز إلى هذه السلطة فى الواقع فحسب , بل إنها حتى فى الأحلام تعد من بين الأدوات الحادة التى ترمز إلى عضو الذكورة(94), فليس بمستغرب أن يتبلور خوف زهرة من ماضيها وحاضرها فى حالات الهذيان والكوابيس والأخيلة (أحلام اليقظة) بصور معينة , تعد تعبيراً غير مباشر عن خوف زهرة من السلطة الاجتماعية متمثلة فى الرجل بصفة خاصة , باعتباره شخصية مرهوبة تتصرف من موقع قوة ما , وتعطى لنفسها حق التدخل فى تقرير مصير الآخرين .
وبالنسبة لزهرة , تتمثل هذه الشخصية فى شخوص : الأب والإخوة والعم والحبيب الراحل (سالم) والزوج المفترض (عبد الله) والزوج الفعلى (صالح) والنوخذة (سلطان)… وغيرهم .
وعليه فإن صورة الرجل فى لا شعور زهرة , تترجم إلى رموز مثل : الخنجر – السكين – المنجل – الدخان – الشبح – الشيطان وغيرها , وهى رموز تنطوى على إحساس زهرة بالرهبة والهلع من الرجل , وليس أدل على ذلك من أحد مشاهد هذيان زهرة الذى يجمع صوراً مفزعة لبعض الرجال الذين عرفتهم زهرة فى ماضيها وحاضرها , إذ تقول فى هلوسة: “جميع الوجوه أعرفها وتعرفنى , جميع الوجوه التى أعرفها تلاحقنى كذئاب مسعورة تقترب مكشرة عن أنياب مسمومة كالسكاكين , دائمة الطلب , ودائمة الأخذ , وجوه مألوفة من بينها زوجى الراحل وإلياس وإسماعيل و.. كلهم يتربصون بى وكأنى فريسة مذعورة غرة , وأمامى حيث السبيل الوحيد للنجاة , وجدت عمى بأوداجه المنتفخة , بعينيه الحاسدتين الغاضبتين , ويداه ملطختان بالدم حمراوان قانيتان. وفى الخلف كان سلطان، شيطان محنك، بابتسامة غواية واسعة الأبواب” (95).
ومما تقدم يتأكد لدينا أن الأحلام هى صور مهوشة (غير منتظمة) مستمدة من الواقع , تنتظم وفقاً لنزوات الحالم ورغباته ومخاوفه(96), كما أنها ” وسيلة من وسائل الوجود واستمراره …, ودلالاتها الرمزية لا نهائية , لكن جذورها كامنة فى
الواقع”(97). هذا فضلاً عما يتكرر فيها من صور لا شعورية مفعمة بالعواطف والانفعالات ومثقلة بالرموز , مما يجعلنا نولى الأحلام اهتماماً كبيراً  وبالتالى فإن اهتمامنا بأحلام زهرة على اختلاف أنواعها (أحلام يقظة – حالات هذيان – كوابيس), يجعلنا نتجاوز المفهوم “الفرويدي ” إزاء الأحـلام الذى ينصـب على البحـث عن سبـب الحلم, إلى المفهوم ” اليونجي ” الذى يركز على غائية الحلم أو بمعنى آخر الهدف الذى من أجله كان الحلم . فإذا كان الخوف من الرجل هو السبب فى أحلام زهرة – كما أوضحنا سلفاً -, فإننا نطرح سؤالاً: من أجل ماذا كانت أحلام زهرة؟
ثالثاً : علاقة اللاشعور بالشعور :
وللإجابة عن السؤال السابق , لا بد من لفت الانتباه إلى أن ثمة علاقة بين الجانب اللاشعورى والجانب الشعورى فى النفس البشرية , استناداً إلى أن كبت الرغبات أو النزعات النفسية لا يؤدى إلى محوها أو القضاء عليها ; إذ تظل كامنة فى اللاشعور , متحفزة للظهور بالقفز إلى الشعور .
فإذا كانت صورة الرجل فى لاشعور زهرة تقترن بمواصفات رمزية مثل : الذئب والشيطان والحاسد , فإن هذه الصورة تتردد فى شعورها بمواصفات الشبح والقوة والسيطرة والأنانية والسحر , مما يوحى لنا أن هذه المواصفات فى الجانبين : اللاشعورى والشعورى تنطوى على دلالات يفضى بعضها إلى بعض من ناحية , وتفصح عن ارتباطها بالمرأة من ناحية أخرى وذلك على النحو التالى .
فالرجل الذى يرد فى لاشعور زهرة , على هيئة ذئب , ما هو إلا شيطان , على اعتبار أن ” الذئب رمز للشيطان “(98), والشيطان , بمرجعية عقائدية , ما هو إلا ذلك الحاسد الذى رفض السجود تكريماً لآدم حقداً عليه(99). وكان الحسد نتيجة لثورة الشيطان على الله(100). والشيطان والحية والمرأة ما هم إلا شيء واحد فى أساطير الخلق الأولى ; إذ ورد فيها أن الحية هى الوحيدة من بين دواب الأرض التى وافقت على حمل الشيطان (إبليس) بين أنيابها حتى تمكن من دخول الجنة ومن ثم الخروج من جوف الحية وغواية حواء بالأكل من الشجرة المحرمة , وبالتالى غواية حواء لآدم بالأكل منها , فكان خروجهما من الجنة(101) (*).
وحيث إن الحية ترمز إلى الخطيئة والذنب , وترتبط أيضاً بدلالات السحر وفق مرجعية عقائدية(102), وشعبية(103), كما يرتبط الشيطان بدلالات الخداع , فلا غرابة إذن أن يكون الرجل – كما تراه زهرة – شيطاناً وساحراً لأن فى لفظة ” الساحر” تكمن معانى الخداع وصرف الشيء عن حقيقته(104), فضلاً عن أن السحر يتم بقوة ميتافيزيقية , وهو عمل فيه تقرب إلى الشيطان ولا يتم إلا بمعونة منه(105).
ولما كانت المرأة علامة الخطيئة فى أساطير خلق الإنسان ،فإن وصف زهرة للرجل فى النص الروائى بأنه ذئب وشيطان وساحر وحاسد , ما هو إلا استخدام لرموز معكوسة الدلالة , وهو استخدام ينطوى على عملية نفسية من العمليات العقلية اللاشعورية يطلق عليها “الإسقاط” وهى عملية من خلالها يستطيع المرء حماية نفسه بإلصاق عيوبه بغيره وبصورة فيها تهويل(106). كما يؤكد هذا الاستخدام استمرارية نزعات زهرة اللاشعورية وقفزها إلى شعورها, متمثلة فى رغبتها الملحة فى رفض القهر والظلم الواقعين على المرأة منذ اقتران الخطيئة الأولى بها .
وتجدر الإشارة إلى أن ورود الرجل فى النص الروائى بتلك المواصفات الرمزية , فى حالات زهرة الشعورية واللاشعورية , يعد نوعاً من الخروج عن الاستخدام المألوف فى اللغة, كما يعد فى الوقت ذاته نوعاً من خطاب الأنا السلطوى الذى يتلون ليتسق مع الخطاب الأيديولوجى أى خطاب الآخر , بما يمثله من سلطة أو قوة أو قانون اجتماعى أو موروث , وهو ما يؤكده قول زهرة : ” لن أكون عبدة للشيطان , لكننى سألاعب الشيطان بذات السلاح , وقتها ربما أجد النور”(107).
مما سبق يتضح لنا أنه إذا كان الدافع وراء حالات زهرة اللاشعورية (الأحلام – الكوابيس – نوبات الهذيان) هو الخوف من الرجل , فإن الهدف منها هو محاولة زهرة الخلاص من الخطيئة الأبدية والتنصل من الذنب الملصق بها, باعتبارها معادلاً  موضوعياً للشخصيات النسائية فى الرواية وبوصفها رمزاً للمرأة .
رابعاً : ردود الأفعال :
ثمة علاقة جدلية بين زهرة والآخر (المجتمع) ؛ فزهرة تجد نفسها أمام اختيار صعب يدفعها للبحث عن ذاتها من خلال مواجهة هذا الآخر أو بالأحرى الصدام معه . ذلك أنه يعج بالشرور والعداء والبغض والقهر والقمع والحسد والأنانية والتناقض … إلخ , ويشكل اتجاهاً ثقافياً ويعكس سلوكاً اجتماعياً ينحو نحو تدمير الأنا (أى زهرة) والرغبة فى الاستيلاء عليها أو على الأقل حرمانها مما تمتلك , ومن ثم لا يكفى زهرة أن ترفض هذا الآخر وتصطدم معه فحسب, بل إنها ترى الموت – الذى هو أحد معطيات واقعها – شيئاً معتاداً مع أنه كفكرة ” يبدو رهيباً وغير مقبول البتة “(108); إذ يدفعها نحو مسيرة العدم ويبدى شقاءها المعرفى ووعيها بالعجز عن بلوغ المستحيل (حريتها). ومع ذلك تتحداه كما يتبدى من عبارات بعينها فى النص الروائي(109). وبما أن الحرية “لا يدركها المرء إدراكاً حقيقياً إلا بممارستها عن طريق علاقته بالآخرين , فالعلاقة بين الأشخاص هى وحدها التى تجعل الحرية أمراً ممكناً “(110), فإن زهرة تصر على الاستحواذ عليها , وإن أقرت بأنها مقبلة على المجهول كما يتبدى من قولها ” أنا الآن فى طريقى لعالم آخر مجهول , ربما يحبطنى … وربما أفرحني”(111), مما يوضح أن المجهول ” هو المحك الأساسى الذى تنبع منه مأساة الإنسان الداخلية وهو قلق الإنسان الوجودى “(112).
وإذا كنا قد بينا سلفاً الملابسات النفسية والجسدية لقلق زهرة إزاء وجودها , فإنه ينبغي أن نلفت النظر إلى مدى تلاعب لغة النص بازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة , وتعبير هذه اللغة عن تدرج الأطوار النفسية لدى زهرة حتى بلوغها مرحلة الثورة الداخلية دفاعاً عن وجودها . تلك المرحلة التى أعقبتها ردود أفعال تمثلت فى عبارات التحدى , وسلوك الرفض, والرغبات , والتأملات الشاردة .
فزهرة , بوصفها امرأة تحاول الخلاص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها , سعياً نحو الارتقاء من خلال رفع الظلم والقهر الواقع عليها على نحو ما تبين لنا عبر حالاتها الشعورية واللاشعورية , هى ذاتها التى تناقض ذاتها ; إذ تقر بخطيئتها الأبدية كما يتبين من طبيعة توظيف لفظة ” الشيطان “(113) فى النص الروائى . فتارة تعترف زهرة بغواية الشيطان لها , وأخرى بتمكنه منها , وثالثة بتوحده معها , ومن ثم كسر المحظور بخرق زهرة للموروث (العادات والتقاليد) وهروبها إلى أفريقيا .
إن الآخر (الشيطان/ الرجل) الذى تنوى زهرة محاربته أو ملاعبته بذات السلاح أى بسلاح الشيطنة بما فيه من قوة وسلطة ومراوغة وتقلب وأنانية … إلخ , كما أوردنا آنفاً , ما هو إلا (الأنا) أى (أنا) زهرة ذاتها . تلك الأنا الشيطانية التى تتضخم بداخلها وتتسلل خارجة منها , كما تقول هى : ” جسدى بأكمله يبدو كأنه يتضخم وكأن الشيطان الذى كان يسكننى يتسلل خارجاً مني “(114). ومن ثم تجعل زهرة من (أناها) آخر; أى موضوعاً خارجياً قابلاً  للتحكيم والتقييم , مما يفسر لنا أن الأنا تدور فى دائرة مغلقة هى الذات , فهى تتسلل خارجها لتعود إليها مرة أخرى , كما أن توحد الأنا والآخر يبين أن الإنسان هو المسؤول الأول والأخير عن تدمير نفسه أو تحقيقها , وبمعنى آخر إما أن يكون ألد أعدائها أو أحب الناس إليها.
من هذا المنطلق كان نبذ زهرة لماضيها الذى لم ينجم عنه سوى ذاتية خائفة , ممزقة , ضائعة , شاردة , متناقضة , فاقدة الإرداة , وكذا ازدراؤها لحاضرها الذى يمعن فى غرز أحاسيس الخوف بداخلها ويجعلها سجينة العار والعيب والخطيئة . ومن ثم كان إحساسها بالقلق إزاء وجودها , مما ترتب عليه رفضها اللامبالاة أو الإهمال من جانب الآخر أو محاولة تهميشها أو طمس وجودها أو محو نرجسيتها أو جعل حياتها نمطية رتيبة, وكذا أحقيتها فى رفض أى وضع تضيع معه سنوات عمرها هباءً  منثوراً ويجعلها فى مكانة أضعف أو أقل, حتى ولو كان هذا الوضع يستمد قوته من الموروث أو ينبثق منه.
ذلك الرفض الذى تبلور فى مناجاة زهرة المتكررة من خلال عبارات تفيد التحدى للآخر والصدام معه , منها قولها : “لا يحق لرجل بعد اليوم أن ينظر لى كأنه يمتلك حق تقييمى والتصرف بى”(115).
وبالرجوع إلى مواضع تلك العبارات فى النص الروائى , يتضح لنا أن زهرة تحمل صفات البطل الإيجابى , بما تنطوى عليه من قيم أصيلة , يتمثل أبرزها فى الإحساس بالأنا وبقيمة الحرية وفى الرغبة فى تغيير الذات وما حولها , وبما تبرزه من الجانب الإشكالى فى شخصية زهرة من حيث رفضها التبعية . فزهرة ترفض مجتمعها بكل ما فيه من قيود , ومع ذلك لا يتسنى لها العيش بآمالها الداخلية , بمعزل عن هذا المجتمع, إذ تجتره فى ذاكرتها عبر مواقف شتى فى حياتها , مما يفسر هيمنة هذا المجتمع عليها , وبالتالى تكمن المأساة ; إحساس بالانتماء وعدم الانتماء فى آن واحد , ومن ثم يحدث الصدام .
ويتواصل تحدى زهرة عبر ردود فعل تكشف سلوكها تجاه الآخر كما يتأكد من قولها: “هكذا وجدتها معركة تتحدانى كاملة , معركة فاصلة بينى وبين حريتى , مطلق الحرية … و (أية) حشرة …, لن تقف فى طريقى …, سأدوسها بقدمى وإن لم يكفنى ذاك سأقطع أجنحتها وأهدابها الدقيقة , فلا هى بالحياة ولا هى بالموت “(116), الأمر الذى يعكس سخطها على جنس الرجال لما ادعوه من حقوق لأنفسهم , ولعنها إياهم وحقدها عليهم , نظراً لما يغرسونه فيها من أحاسيس الخوف والعرى والخطيئة وقصور اليد والرؤية،  وكذا رفضها أى ابتزاز لها أو موقف يجعلها تتعلق بأحلام هلامية , وأيضاً رفضها الزواج من عبد الله (ابن عمها) رغماً عنها, أو أى إطراء أو مديح يُعلى من قدر المرأة الأفريقية (زوجة سالم حبيبها). هذا فضلاً عن محاولاتها المتكررة لإجهاض نفسها بغية التخلص من جنينهـا وكأنـها بذلك تؤكد قطع أى خيط يربطها بجنس الرجال أو يذكرها باستمراريته(117).
وإذا كانت مشاعر زهرة الباطنية قد عكست سلوكها الرافض لجنس الرجال على نحو ما تقدم , فإن هذه المشاعر تتواصل عبر رغباتها المختلفة التى تسعى نحو إشباعها ; إذ وراء كل إشباع حاجة . ولما كانت زهرة ترغب فى الفوقية والسيادة والسلطة وتتوق إلى الحرية , فإنها تستعذب الإحساس بالانتصار على إخوتها فى مواقف عدة(118). كما تستلذ الإحساس بالانتقام من ” سلطان “, وكسر عنفوانه بالحقد عليه والتشفى فيه(119).
ويتواصل الإحساس بلذة الانتقام لدى زهرة من جنس الرجال , مع زوجها صالح; إذ لم تتورع أن تتخلص من نسله , رغم عشقه إياها ومعاملته الطيبة لها(120), وكذا مع سليمان ; إذ تنتشى وهى تراه خادماً لها , لاهثاً وراءها , معانداً – من أجلها – أوامر سيده سلطان(121).
والإحساس المفرط بلذة السلطة والفوقية يستولى على زهرة إلى الحد الذى يجعلها تنتشـى وهى تستعـرض قدرتها وسط البحارة , إذ تشعر أنها ” مخدومة من الجنس العالي”(122).
إن الحاجة إلى إشباع نزعة الفوقية والرغبة فى السلطة تتملك زهرة حتى تصير عقدة تعانى منها . فرغم إحساسها بالحرية والخلاص من كل القيود بعد وصولها إلى أفريقيا وامتلاكها مقومات السلطة من مال وأرض وعبيد , فإنها تجد لذة فى استرهابها العبيد, ونظرات الحيطة والحذر من جانبهم(123).
وإذا كان الفن فى رأى فرويد ” وسيلة لتحقيق الرغبات فى الخيال , تلك الرغبات التى أحبطها الواقع إما بالعوائق الخارجية أو المثبطات الأخلاقية “(124), فإن النص الروائى يحقق ذلك من خلال التأملات الشاردة لدى زهرة أو ما يمكن أن نطلق عليه أحلام اليقظة التى تضع زهرة فى عالم غير عالمها ومجتمع غير مجتمعها , تجد فيه نوعاً من الاطمئنان أو الثبات النسبى. وذلك حين تتخيل نفسها امرأة من طراز آخر ؛ أميرة وملكة , وتجعل من ذاتها حلماً جميلاً تصبح بمقتضاه بمثابة أسطورة أو ” صرحاً ” تُحكى حكايته ” فى كل الأوقات “(125).
إن التأملات الشاردة التى تعد حالة نفسية عابرة , تولَّد لدى زهرة شعوراً بالخلاص من الزمن وذلك بالانفتاح على عوالم جميلة بلا ماضٍ  ولا حاضر ولا مستقبل; فالزمن فيها واحد متصل يقع وراء الزمان الكرونولوجى , ويقودها نحو السرور والمتعة, كما تخفف هذه التأملات من وطأة معاناة زهرة النفسية الناجمة عن إحساسها بالنقص من جراء مقارنتها ذاتها بالآخر , لا سيما زوجة سالم الأفريقية ; إذ بهذه التأملات الشاردة, تخلق زهرة لنفسها صورة مماثلة لصورة تلك المرأة الأفريقية ; الشخصية الوحيدة التى لا تعانى النقص ; إذ ليس لها وجود حقيقى فى الرواية , فهى الغائب الحاضر الذى يصل إلينا من خلال ما تتخيله زهرة عنها وما تسمعه بصددها . وهى حقاً وهم لا وجود له “أسطورة ” كما يتأكد من الحدث الروائى ; فزهرة فى رحلتها الطويلة إلى أفريقيا , بحثاً عن حبيبها سالم , لا تعثر لهذه المرأة على أثر , إذ تتضارب الأقوال وتتشعب بشأنها , فمن قائل أنها رحلت جنوباً, ومن قائل أنها ذهبت إلى الجبل , ومن قائل أنها باعت منزلها …, ومجمل القول , كما تروى زهرة, أن ” زوجة سالم اختفت فى الزحام “(126).
إن النقص الذى تعانيه زهرة , يمثل حقيقة فى واقعها المعيش – كما يتأكد من الحدث الروائى – بما فيه من ظلم وقهر وقمع لا تعانيه زهرة فحسب , بل النموذج العام للمرأة فى الرواية , وما يندرج تحته من شخصيات نسائية , مما يؤكد أن التأملات الشاردة ما هى إلا حالة نفسية عابرة تتوهم زهرة فيها السلطة والقوة , بما يجعل من هذه التأملات هروباً مؤقتاً من الواقع المعيش , بكل ما يعتريه من نقص . أما الهروب الدائم منه , فيتمثل فى مغامرة زهرة وخروجها من سلطنة عُمان إلى أفريقيا , بحثاً عن المفقود الذى هو – من وجهة نظر زهرة – الحرية مقرونة بالسلطة والقوة .
خامساً : الازدواجية العاطفية :
إذا كانت صورة الرجل التى عايشتها زهرة فى واقعها , صورة قبيحة, مشوهة , مؤلمة ومخيفة لها عبر المواقف المختلفة لحالاتها الشعورية واللاشعورية , وإذا كانت التفرقة فى المعاملة بين زهرة وإخوتها من قِبل والديها , قد أدت إلى شرخ مؤلم فى نفسيتها وإلى انطباع صورة قاسية لهما فى ذاكرتها , فلنا أن نطرح هذا التساؤل : هل تكره زهرة الرجال فعلاً  ومنهم أباها ? وهل يؤدى ما لديها من انطباع قاس عن أمها إلى كراهية النساء عموماً ومن بينهن نفسها?
واستناداً إلى الإزدواجية العاطفية , أى اجتماع الحب والكراهية فى آن واحد تجاه موضوع معين شخصاً كان أم شيئاً , دون أن يدرى المرء مصدر هذه الازدواجية , بيد أنه لا يستطيع أن ينفى أنها أساسية فى حياته العاطفية(127), فإن زهرة التى ترى فى سوء معاملة أمها لها ما يثير استياءها , ويُشعرها بقسوة هذه المعاملة , هى ذاتها التى – حال انتعاشها وإحساسها أنها أميرة على ظهر المركب – تتأسى على حال أمها المسكينة(128). وهذه الازدواجية العاطفية من جانب زهرة تتكرر تجاه شخصيات نسائية أخرى(129).
ووالد زهرة الذى لم تلق منه سوى الفظاظة وغلظة القلب هو ذاته الذى تشفق عليه حين تخيلها إياه هازاً رأسه وبين أصابعه مسبحته الفيروزية وقد ذاق مرارة العار إثر علمه بهروبها. فضلاً عن يقينها بأنه ما كان ليرضى لها ما ألم بها على ظهر المركب من إحساس بالضعف والهوان من جراء وجودها بين الرجال (البحارة), ومن ثم تعرب عن ندمها داخلياً(130).
وتجدر الإشارة إلى أن ما ينتاب زهرة من ازدواجية عاطفية تجاه أبيها ينسحب على غيره من شخصيات الرجال فى الرواية مثل : (الحبيب سالم , النوخذة سلطان , الزوج صالح, عم زهرة , أحمد معلم القرآن، الصبى الأفريقي)(131).
وبإنعام النظر فى المواقف التى تعكس الازدواجية العاطفية فى النص الروائى , يتسنى لنا القول أن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء , وأن مشكلتها النفسية وليدة حكم الأب والأم , ذلك الحكم الذى تبلور فى طبيعة العلاقة بينها وبينهما .
وإذا كانت أول تجربة للقلق تمر فى حياة الإنسان , ناجمة عن الآثار النفسية للانفصال عن الأم(132), فإن قلق زهرة على وجودها جاء نتيجة لمقدمات كثيرة تمثلت فى مواقف أكدت الفجوة النفسية بين زهرة وأمها ؛ منها موقف بلوغ زهرة الحلم , حيث تقول : ” إننى أعرف أكثر عندما لا تكون أمى معي “(133), ومنها أيضاً المواقف التى فضلت فيها أم زهرة إخوتها عليها وانشغلت عنها بأمور حياتية أخرى وقست عليها جسدياً ونفسياً(134). وهى مواقف تولدت عنها ازدواجية عاطفية لدى زهرة تجاه أمها . تلك الازدواجية التى يذهب فرويد إلى أن البشرية اكتسبتها من عقدة الأب , حيث تجد فيها أقوى صيغة لها(135). الأمر الذى يتجلى فى طبيعة علاقة زهرة بأبيها , إذ بدأت الازدواجية العاطفية مع الأب ثم امتدت بعد ذلك مع بقية الرجال .
فزهرة عانت الكثير من قسوة أبيها جسدياً ونفسياً منذ مرحلة الطفولة حتى مرحلة الشباب , ومن ثم عجزت عن احتوائه نفسياً . ومع ذلك فلم تستطع كراهيته , كما لم تستطع فى الوقت ذاته كراهية جنس الرجال أو احتوائهم نفسياً رغم ما لاقته منهم .
واستناداً إلى أن عقدة أوديب ما هى إلا ” مجموعة من الرغبات والمشاعر والأفكار اللاشعورية التى تقوم على أساس الرغبة فى امتلاك الوالد أو الوالدة من الجنس المقابل … وفى نفس الوقت إزالة الوالد أو الوالدة من نفس الجنس”(136), وإلى أن الاضطرابات النفسية والجنسية ومشاعر الذنب ما هى إلا نتيجة لهذه العقدة(137), فإن زهرة التى تعجز عن امتلاك أبيها واحتوائه نفسياً , تسعى إلى البحث عن هذا الرمز فى نماذج الرجال . فمع صالح تنشد الحماية والمأوى , وبالتالى ترتضيه زوجاً . ومع النوخذة سلطان تبحث عن القوة والسلطة والقيادة وهى صفات تفتقدها فى أبيها . كما تنشد فى سلطان الصراحة والوضوح اللذين افتقر إليهما الأب . وعليه فإنها تلوم أباها (رمز الموروث) الذى جبلها على النفاق والتناقض, ونظراً لإحساسها بالنقص الناجم عن عجزها فى التخلص منهما, فإنها تعجب بصراحة سلطان ووضوحه .
وإذا كانت ” رحلة البحث عن الأب , تفتح خطاب الرغبة بوصفها ذاتاً متكاملة تتوحد وفقاً للصيرورة فى جدل الطبيعة / الثقافة – الحب / العمل ، إذ يكون العمل فكرة شاملة , توحد البدن / الفكر , فلا عمل دون جهد بدنى وإدراك عقلى”(138), فإن بحث زهرة عن أبيها يتبلور فى مغامرة الخروج من منطقة الجبل ورفضها الحياة النمطية , حيث سلطة الموروث وضياع الذات وغياب الحرية , وبالتالى الشعور بعدم الكرامة وانتفاء السلام النفسى , الأمر الذى ترتب عليه الخروج من أجل عمل أسمى يدركه العقل ويؤدى إلى الحرية وتحقيق الذات.
وبما أن ” اكتشاف المرء لمصيره يُرمز إليه بالبحث عن الأب “(139), على اعتبار أن العثور على الأب مرتبط بالتعرف والحصول على شخصية المرء ومصيره , فإن زهرة تواصل البحث عن أبيها عبر البحث عن سالم , ظلها الكامن فى أعماقها ورفيق باطنها, الذى بدونه لن يتحقق لذاتها التطور والانتشار والتفرد , ليس لأنه فتى أحلامها , ولا لكونه مصدراً لاستمرارية هذه الأحلام , بل لكونه موضوعاً لها . فسالم الذى أبحر دون عودة وأعطى حياته للبحر , ومات فى أحضان امرأة غريبة , يرمز بفعله هذا إلى موضوع أحلام زهرة , وهو الرغبة فى ميلاد جديد والانطلاق نحو حياة أفضل فى ظل موروث جديد , يحررها من عقدة الذنب .
وإذا كان سالم ظلا  باطنياً لزهرة ورجلاً يعد الشيطان رمزاً له , يتضخم داخل زهرة ثم يتسلل خارجها ليتحول إلى ذات أخرى , فإن هذا الظل بخروجه المجازى , هو “الجزء النامى المتطور فى الشخصية , الجزء الذى يسعى نحو التفرد والخروج من حالة الأنا Ego المحدودة إلى حالة الذات Self الأكثر اكتمالا  ونمواً وتحقيقاً “(140), على نحو ما يذهب إليه يونج .
ولما كان الشعور بالذنب ضمن محصلات العقدة الأوديبية , فإن لحظات ندم زهرة على هروبها , ما هى إلا اعتراف بالخطيئة والذنب ورغبة فى التطهر منهما بمحو الماضى, ذلك الماضى الذى نجم عنه اضطرابات زهرة وأزماتها النفسية التى كانت وليدة حكم الأب والأم بمعناه السلطوى الواسع : الموروث – المجتمع – الثقافة . وعليه تسعى زهرة إلى الخلاص من رواسب هذا الحكم فى إطار حياة جديدة يخلصها من مأساة وجودها زماناً ومكاناً . ذلك السعى الذى لا يتمثل فى خروجها من عُمان إلى أفريقيا ولا رغبتها فى ميلاد جديد فحسب , بل فى تمنى الصيرورة إلى جنس الرجال , حيث الحرية والسلطة , ومن ثم تقول : ” ليتنى كنت رجلاً …, لا تكبلنى كلمة العيب “(141). وهذه الأمنية تراودها منذ الطفولة , كما يتبدى من كلماتها “أتمنى دائماً أن أكون صبياً بين طرفة عين وأخرى”(142), فالرجولة بالنسبة لها انطلاق وتحرر(143).
ولا يقف سعى زهرة عند حد الرغبة فى التطهر من عقدة الذنب والخطيئة بمحاولتها محو الماضى , بل بتجاوزه إلى إثبات أن ذاتها سوية خالية من الاضطرابات النفسية, وهنا تكمن المفارقة . ففى الوقت الذى تعانى فيه أحاسيس الحقد والأنانية والشعور بالخوف , تؤكد أنها امرأة سوية تعرف الحب(144), وبداخلها ” امرأة عادية تتعلق بالأحلام “(145).
وتتجلى المفارقة فى أبهى صورها فى أن زهرة التى تعرف الحب والرومانسية -على حد قولها – هى ذاتها التى تسيطر عليها رغبة الانتقام من الآخر , بقتله . ففى فعل القتل تكمن جدلية النهاية والبداية أو الموت والولادة , إذ تناجى زهرة نفسها ثائرة:
“لو أحمل مجز القت وأبقر من  يحادثنى لفعلت”(146), “ليتنى أبقر بطنه (عبد الله)
بخنجر”(147).
وحيث إن المجز والخنجر من الأدوات الحادة التى ترمز إلى العضو الذكورى فى اللاشعور (الأحلام), وهو العضو الذى يرمز إلى الخصوبة والحياة فى الشعور كما يتأكد بمرجعية أسطورية (أسطورة أوزيريس)(148), فإن رغبة زهرة فى بقر البطن لا تعنى قتلاً أو موتاً للآخر, بل إحياءً له , بمزج دلالاتى الحياة : الآلة الحادة التى ترمز إلى عضو الذكورة , والبطن التى ترمز إلى الرحم والولادة .
وبالرجوع إلى فكرة توحد زهرة مع الآخر (الذئب / الشيطان – الحية) يمكننا القول أن القتل بواسطة عضو الذكورة (المجز أو الخنجر) الباقر (أى الداخل) للبطن (وبها الرحم) ما هو إلا تعبير عن رغبة زهرة والآخر – باعتبارهما شيئاً واحداً – فى العودة إلى اللاعضوية واللاتميز من أجل ولادة جديدة . هذا فضلاً عن أن فعل القتل , بما يتضمنه من رموز جنسية, يؤكد رغبة زهرة فى التوحد بالآخر من خلال العملية الجنسية التى يترتب عليها استمرارية الحياة بفعل الولادة .
ومما يفسر ازدواجية عاطفة زهرة (الرهبة والرغبة) تجاه الآخر (الرجل) , أنه فى الوقت الذى ترهب فيه زهرة الرجل (شعورياً ولا شعورياً كما بينا سلفاً) ومن ثم تود شعورياً الانتقام منه ببقر بطنه , ترغب لا شعورياً فى احتوائه وامتلاكه والتوحد به , مما يؤكد أن العمل الفنى ” يحقق من الرغبات المكبوتة فى اللاشعور ما يحققه الحلم . وهو كذلك يتخذ من الرموز والصور ما ينفس عن هذه الرغبات , ويخلق بين هذه الرموز أو الصور علاقات بعيدة وغريبة فى الوقت نفسه “(149).
أخيراً , إذا كانت الزهور رمزاً أنثوياً , يرتبط بالمستقبل والتوازن والعدل والميلاد والانتصار والسرور , ويحوى دلالات انفتاح العوالم الباطنية وامتزاج الروح بالجسد , فضلاً  عن توحد الزمان بانتفاء مراحله , والإشراف والمعرفة والنور والخصوبة والنمو والامتداد والانبعاث والعقل والتنبيه والحماية(150), فإن النص الروائى يؤكد انتفاء تلك الدلالات لدى زهرة من خلال التوظيف الفنى للاسم (زهرة) الذى كان الغرض منه الإسقاط الدلالى , ومن خلال إخفاق زهرة فى تحقيق الدلالات السابقة , بعد رحلة الهروب الطويلة , إذ لم تجن سوى المعاناة والشقاء , كما يتبدى فى مناجاتها ذاتها : ” ماذا بى أحس بالوحدة , أحسنى غريبة من الأعماق يا زهرة الأسفار الطويلة , يا زهرة الأحزان الغريبة , يا أنا يا ذاتى المغتربة , ويا أشواقى المنبعثة , كم هو مؤلم إحساسى بالشقاء “(151).
الخـاتمـة :
وبعد الدراسة التحليلية للمضامين النفسية لرواية ” الطواف حيث الجمر” لبدرية الشحى, اعتماداً على منهج التحليل النفسى لسيجموند فرويد , وانطلاقاً من مركزية اللغة لجاك لاكان فى تحليل النص , وبالوقوف على محاور محددة متمثلة فى: الشعور – اللاشعور – علاقة اللاشعور بالشعور – ردود الأفعال – الازدواجية العاطفية , أمكن التوصل إلى مجموعة من النتائج لعل أهمها ما يلى :
•    إن رواية ” الطواف حيث الجمر ” لبدرية الشحى تعد أول رواية لقاصّة عُمانية؛ فلم تسبقها كاتبة عُمانية أخرى فى هذا المجال . والرواية فى مجملها تعكس أزمة نفسية ذات صلة بقضايا ذاتية واجتماعية وأيديولوجية . والمناجاة النفسية تمثل لازمة فى السرد الروائي, كما تشكل حالات التداعى النفسى للشخصية المحورية : ” زهرة ” بوصفها بطلة, وتكشف عن طبيعة هذه الشخصية بكل ما فيها من تركيب وكثافة سيكولوجية تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها. كما تؤكد المناجاة ذاتها شخصية ” زهرة “, باعتبارها رمزاً , يمثل قيمة معينة, وذا أهمية فى بلورة التجربة الروائية .
•    إن أزمة زهرة النفسية تبدأ بالشعور بالقلق على وجودها , ومن ثم كان تأملها إياه, بإعادة النظر فيه , بغية معرفته والوعى به , وبالتالى تقييمه , وذلك بتوظيف مجموعة من الرموز فى النص الروائى , تمثلت فى المرآة والمياه والعين , بوصفها مرايا حقيقية ومجازية, تعكس أحاسيس زهرة بالانتهاء والموت المعنوي, فضلاً عن شعورها بالنرجسية.
•    إن شعور زهرة بالقلق على وجودها ليس وليد الآنية أو اللحظة , بل إنه امتداد لماضٍ مأساوى , بما فيه من قسوة وإهمال , عانت منه زهرة فى طفولتها وشبابها , فشكل منها ذاتية ضعيفة , ممزقة , تائهة , أسيرة الشعور بالخوف والعار والذنب والخطيئة . وهو ماضٍ ظل يطارد زهرة بهيئات مختلفة وفى حالات الشعور واللاشعور .
•    إن ذاتية زهرة تتأكد من خلال الشعور , لا سيما فى مواقف مقارنتها ذاتها بالآخر. تلك المواقف التى لعب الوصف فيها دوراً اختراقياً ؛ بالكشف عن صفات زهرة وعالمها الباطنى , فضلاً عن الفروق الأيديولوجية بين مجتمعها (العربي) ومجتمع الآخر (الأفريقي).
•    إن البحث عن صورة الآخر , يكشف عن طبيعة علاقتىْ التماثل والتباين بين زهرة والآخر . فعلاقة التماثل بينهما تؤكد أن هذا الآخر متمثلاً فى النموذج العام للمرأة فى الرواية, ما هو إلا امتداد لزهرة ذاتها , وتأكيد لوضع إنسانى اجتماعى , بما يعانيه من تحطيم للذات , وإحساس بالهلاك وبوطأة الذل والقمع والقهر . فى حين تسفر علاقة التباين بين زهرة والآخر, متمثلاً فى النموذج العام للرجل , عن استمرارية صورة هذا الآخر بكل ما فيها من قبح أخلاقى , وبشاعة نفسية , وعن التأكيد على صورة زهرة (المعادل الموضوعى للشخصيات النسائية فى الرواية), واستمراريتها من منطلق أن معاناة المرأة الذل والهوان والقهر ناجمة من تمتع الرجل بالسلطة والسيادة والحرية المطلقة.
•    إن بحث زهرة عن ذاتها لا يتم إلا بمجابهة الواقع أو بالأحرى الصدام معه . ذلك الصدام الذى يتبلور فى جانب زهرة الشعورى عبر ردود أفعال انعكست فى استعدادها النفسى لمواجهة الموت , وعبارات التحدى والسلوك الرافض للآخر وتأملاتها الشاردة التى تشبع رغبتها الجامحة فى الفوقية والسيادة والسلطة , من أجل التخفيف من وطأة عقدة الشعور بالنقص والإحساس بالدونية .
•    إن ورود صورة الرجل فى لاشعور زهرة (نوبات الهذيان – الكوابيس) – بوصفه سلطة اجتماعية – بمواصفات رمزية تتمثل فى الذئب والشيطان والحاسد والساحر , وبدلالات معكوسة , إنما الغاية منه تحقيق ” الإسقاط ” بوصفه عملية عقلية لاشعورية , تؤكد رغبة زهرة فى التنصل والتخلص من الخطيئة الأبدية الملصقة بها , بوصفها رمزاً للمرأة, وكذا تأكيد العلاقة بين الجانبين : اللاشعورى والشعورى لدى زهرة. ذلك أن مواصفات الرجل فى شعور زهرة وطيدة الصلة بمواصفاته فى لاشعورها.
•    إن النص الروائى يلجأ إلى توظيف رمز الشيطان للتأكيد على ازدواجية الدلالة وثنائية الفكرة , وهو ما يتبين من التناقض بين إقرار زهرة بخطيئتها الأبدية وبين محاولتها الخلاص منها , بالسعى نحو الارتقاء بذاتها وبالمرأة إلى مكانة تتسق وآدميتهما .
•    إن الازدواجية العاطفية لدى زهرة تحول دون كراهيتها لعنصر الرجال , رغم ما تراه فيهـم من غطرسـة وأنانية وكبرياء وتناقض فكرى وسلوكى ومراوغة وتقلب … إلخ, ورغم ما تعانيه بسببهم , فإن زهرة لا تكره الرجال كما لا تكره النساء , هذا فضلاً  عن أن ازدواجيتها العاطفية بدأت مع عقدة الأب , وأدت إلى البحث عن هذا الرمز بما يحويه من دلالات مختلفة فى جنس الرجال .
•    وأخيراً يؤكد السرد الروائى أن زهرة بعد مغامرة هروبها من عُمان إلى أفريقيا , وبلوغها المال والسلطة والجاه تعجز عن اكتشاف ذاتها وتحقيقها , ومن ثم لا تجد معنى لحياتها, كما أن تخلصها من القيود لا يحقق لها الحرية المرجوة فتظل حريتها قيد الحلم ورهن الوهم.

About Asyah Al Bualy

Born in Zanzibar on 1962, An Omani citizen. PhD. in criticism with Honours from Cairo University in May 2000. The posts that she has held have been Assistant Professor at Sultan Qaboos University, from August 2000 until June 2006. Since June 2006, she has been working at the Research Council, as Adviser for culture and humanities upon a Royal Order by His Majesty Sultan Qaboos bin Said. The content on this space is written by Dr. Asyah, it is licensed under the Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License.
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s